التغييرات في الاستراتيجية السعودية: أسباب وتداعيات

 

تشهد المرحلة الحالية تبدلات وتغييرات في المشهد الإقليمي يكاد يضفي شيئاً من الغموض وعدم الاستيعاب لمجريات هذه التطورات نظراً لتداخلها وتشابكها خصوصاً على خط السعودية. وما يهمنا في سبيل توضيح الرؤية التوقف عند الآتي:

أولاً: ثمة عامل أساسي وجوهري وهام جداً دخلت في خضمه المنطقة الا وهو الانسحاب الأميركي من الشرق الأوسط. فكلنا يعلم أن انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة لطالما شكل هاجساً كبيراً وهدفاً استراتيجياً للعديد من الرؤساء الاميركيين منذ الرئيس جورج دبليو بوش مروراً بالرئيس باراك أوباما وصولاً الى الرئيس دونالد ترمب. عجز الرؤساء السابقون عن تنفيذ الانسحاب من غرب آسيا، إلى أن جاء الرئيس جو بايدن وقرر السير في خطة الانسحاب.

في حسابات الدولة العميقة في واشنطن، ان هذه المنطقة من العالم كلفت الاميركيين أكثر بكثير مما تستحق، ونشرت إحصاءات من مراكز دراسات تبرز حصيلة الفاتورة الثقيلة التي سددتها الولايات المتحدة ثمناً لوجودها في هذه المنطقة: 6.7 تريليون دولار، 7000 قتيل وأكثر من 50 ألف أميركي جريح منذ انتشار الأميركيين في المنطقة.

ثانياً: واشنطن تسعى للانتقال إلى شرق آسيا لمواجهة العدو الصيني ومن ورائه العدو الروسي، بنظر الاميركيين، وما كان يصح للشرق الأوسط أيام الرئيس جيمي كارتر (الذي كان يعتبر أمن الخليج العربي جزأ لا يتجزأ من الامن القومي الأميركي نظراً لوجود الثروات من نفط وغاز في هذه المنطقة، عندما كانت واشنطن بحاجة إلى هذه الثروات) واعتبار أي اعتداء على دول الخليج اعتداء على الامن القومي الأميركي (عقيدة الرئيس الأميركي جيمي كارتر) تجاوزه الزمن مع انتهاء الحرب الباردة بين الجبارين السوفياتي والأميركي.

لذلك نجد إدارة الرئيس جو بايدن قرر تنفيذ الانسحاب الأميركي من المنطقة، وبدأت واشنطن فعلياً الانسحاب انطلاقا من الكويت ثم الآن من أفغانستان والمقرر استكماله حتى تاريخ 11 أيلول المقبل.

ثالثاً: إزاء قرار الانسحاب أصبحت واشنطن أمام تحدٍّ جديد: معالجة التهديدات في المنطقة قبل اتمام انسحابها كي تؤمن غرب آسيا، وأهم تهديد لمصالحها: إيران.

تصف واشنطن إيران بأنها أكبر خطر إقليمي للولايات المتحدة، فيما الصين وروسيا خطران دوليان. التعامل مع هذا الخطر الإيراني رسى على التفاوض بعدما فشلت سياسات العقوبات منذ العام 1979 ثم أسلوب الضغوط السياسية والتضييق الاقتصادي والتي لم تعط نتيجة بدورها، ومع استبعاد الحرب لم يبق أمام واشنطن سوى التفاوض. واشنطن لا تريد الحرب لأن أية مواجهة عسكرية مع إيران ستجبرها على العودة إلى المنطقة وهي الجاهدة للخروج منها نهائياً.

رابعاً: من هنا كان قرار إدارة بايدن العودة الى مفاوضات فيينا بخصوص برنامج طهران النووي والبحث مع الإيرانيين في الوقت ذاته عن ضمانات لحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.

هنا دخلت المفاوضات في فيينا مرحلة التجاذبات والضغوط والضغوط المضادة: واشنطن تريد اتفاقاً يكبح جماح النووي وطهران تريد اتفاقاً يرفع عنها العقوبات، وهي تدرك بأنها وإنْ قبلت بالاتفاق مع الأميركيين، فإن المفاوضات ستنتقل الى ملفات أخرى (مثل برنامج الصواريخ الباليستية وتدخل وكلاء طهران في الدول العربية) فالوقت بالنسبة لطهران عنصر هام لإطالة أمد المفاوضات لإحراج الأميركي وحمله على التنازل برفع العقوبات كاملة عن طهران.

بمنظار واشنطن، إذا نجحت المفاوضات تعود إيران إلى الحياة في محيطها الجغرافي والإقليمي بقوة الأمر الذي لا يخلو من عقبات، نظراً لأن إيران قوية، ولا يناسب ذلك بعض القوى كدول الخليج وإسرائيل وحتى الصين وروسيا، وكل منهم من منطلقات مختلفة ولحسابات مصالح مختلفة.

خامساً: دول الخليج تقلق من إيران قوية متعافية، لأن تلك الدول لم تتمكن طوال سنوات ماضية من تطوير وتنمية قدراتها الذاتية للدفاع عن مصالحها بعيداً عن دعم الولايات المتحدة ومؤازرتها. كما أن تلك الدول لم تنجح إلى الآن في عقد تحالفات خارجية تستبدل واشنطن ودعمها.

أما إسرائيل، الأقوى عسكرياً في المنطقة إلا أنها لا تستطيع وحدها التغلب على الخطر الإيراني منفردة. وهنا نشير الى عدة تقارير وتصاريح لقيادات إسرائيلية أمنية وسياسية وباحثة كبرى تعتبر ان إسرائيل لا تستطيع بمفردها مواجهة إيران لاعتبارات وأسباب عدة منها ما له علاقة بحضارة إيران العريقة وتاريخها وصناعاتها الضخمة وبنيتها الاقتصادية القوية وتوفر رجال علم وأكاديميين كبار، إذ تجد إسرائيل في النموذج الإيراني نوعاً من تكافؤ القوة معها.

الصين من جهتها لا ترى بعين الرضى انسحاب الاميركيين من المنطقة، لأن مثل هذا الانسحاب سيسمح لواشنطن بالتركيز أكثر على المسألة الصينية والتفرغ للمواجهة معها، بينما أميركا منشغلة بالشرق الأوسط ومشاكله تلهي واشنطن وتجنب الصين المواجهة الكبرى معها. وكذلك الروس، يقلقون من انسحاب أميركا من المنطقة لأن واشنطن تصبح أكثر تفرغاً للتركيز على علاقاتها بروسيا ومواجهة موسكو.

سادساً: منذ عهد الرئيس دونالد ترمب والسعودية تتحسب لتخلي واشنطن عن تحالفاتها وانسحابها الكامل من المنطقة، وكان الهجوم الإيراني على أرامكو ومدن سعودية الاختبار الذي مكّن الرياض من التيقن من ان الحليف القوي لم ولن يفعل شيئاً لحماية حليفه الإقليمي في وجه التهديد الإيراني. علماً أن ترمب كان من اشد الرؤساء عداء واستشراساً لطهران، لكنه ومع ذلك لم يحرك قوته لحماية السعودية أو للدفاع عنها أو مؤازرتها.

هذا الواقع معطوف على عدم قدرة إسرائيل للتعامل منفردة مع إيران ونفوذها في المنطقة حتّم على القيادة السعودية إعادة تقييم استراتيجيتها في المنطقة خصوصاً في مواجهة طهران. والرياض جربت المواجهة العسكرية بدورها مع إيران أيام الحرب الإيرانية ـ العراقية حين دعمت الرئيس صدام حسين والى جانبها كل العرب ومع ذلك بقيت إيران خطراً محدقاً. كما ان الرياض لمست عدم نجاح العقوبات الاقتصادية فيما طهران نجحت في حروب وكلائها ذد العرب الى حد ما.

لذلك اتخذت الرياض قرار ولوج باب التفاوض مع إيران مصدر التهديد الأكبر والاوحد. ما تريده دول الخليج من إيران الامن والاستقرار فيما طهران تريد من جيرانها الخليجيين النمو الاقتصادي. ما تريده دول الخليج من طهران التفاوض على كافة الملفات الحساسة في المنطقة خصوصاً وقف الاعتداءات الإيرانية عبر ميليشياتها على الدول العربية.

سابعاً: المرحلة الحالية مرحلة استكشاف كل طرف مدى استعداده لخوض مفاوضات جدية هادفة ومثمرة لا مفاوضات وحوارات للحوار. لذلك لا شيء نهائياً ولا شيء جدياً إلى الآن في الحوار السعودي الإيراني، وكل ما يحكى لا يعدو كونه تكهنات وتضخيم اعلامي لتصوير الأمور على غير حقيقتها لصالح محور الممانعة المأزوم.

فإيران في أزمة مع الحليف اللدود الروسي في سوريا، وهي مأزومة مع الحليف اللدود التركي بخصوص النزاع حول سنجار والممر العراقي السوري، يضاف الى ذلك تعثر مفاوضات فيينا لتعرض إدارة بايدن لضغوط داخلية وخارجية لتعديل الاتفاق النووي وتوسيعه (منذ أيام وقع الجمهوريون وقسم من الديمقراطيين في الكونغرس عريضة تطالب إدارة بايدن بعدم القبول برفع العقوبات بدون مقابل إيراني حول الملفات الأخرى) لا بل بعضهم طالب بزيادة العقوبات على إيران لحملها على الرضوخ لشروط واشنطن.

ثامناً: المنطقة أمام مرحلة جديدة من الترتيبات وخلط الأوراق، لكن لا التفاوض علامة ضعف ولا الحوار يعني الاستسلام، وبالتأكيد ما دون الحوار السعودي الإيراني، إذا استمر عقبات وشروط اذا لم تتوفر لن يكتب عمر طويل او متوسط الأمد لهذه المحاولة، لا سيما ان هذه الخطوة تحاصرها ملفات خلافية في لبنان واليمن وسوريا والتي سيستحيل السير في مفاوضات من دون التصدي لها، فضلاً عن تضرر القوى الإقليمية والدولية من أي تفاوض سعودي إيراني.

والصين يهمها ان تبقى إيران تحت ضغط الغرب ليزداد تقربها منها لان أي انفتاح إيراني على الغرب سيأتي على حساب النفوذ الصيني عليها.

أما روسيا، فتسريبات وزير الخارجية محمد جواد ظريف كانت كفيلة بكشف حقيقة الموقف الروسي المعادي لاي اتفاق بين إيران والغرب خصوصاً ان موسكو متهمة بأنها عرقلت اتفاق 2015 فضلاً عن الموقف التنافسي بين موسكو وطهران في سوريا، فبالنسبة لموسكو عودة إيران طبيعية سيرتب عودتها لضخ البترول وبالتالي ارتفاع أسعار البرميل ما يؤذي موسكو.

مسار التفاوض السعودي الإيراني لا يزال بحاجة لإنضاج ظروفه لكن الأكيد ان المنطقة على أبواب تطورات متسارعة وانقلابات متتالية في المشهد وخلطاً لأوراق كثيرة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل