
صباح الخير… يييي تأخرت على الطابور، أنا رايحة، برجع عند المسا ما تنطروني ع الغدا!
من اين ابدأ، اي طابور جميل ناعم اتصبّح به أولاً؟ لا بأس، ثمة الكثير من الخيارات المتاحة، كلو مقطوع، يا وطن الطوابير والطراطير أيضاً!
تتمايل طوابير الذل في طول البلاد وعرضها. ما أحلانا عدنا هيك أرقاماً مرصوصة ووجوهاً بلا ملامح منقوعة تحت الشمس، نتسول دوراً لنملأ جوف سياراتنا المطقطق جفافاً، بينما بنزيننا ما أحلاه سائح دائم رايح جايي ع سوريا! نتسّول دوراً لنشتري كيلو لحمة، او لنقل نص كيلو بزيادة علينا بعدما تجاوز سعر الكيلو الـ75 الفاً، ولا ندري جنون البقر اين قد يصل في الساعات المقبلة، اذ واضح أن أبقار لبنان وحتى أغنامه يلعبون بالبورصة ويتلاعبون بأعصابنا! عظيم نكاية بالأبقار، أنا أعلن أني أصبحت نباتية بحشّ من هالبساتين وباكل أعشاب!
طوابير في السوبرماركت أمام السلع المدعومة! السلع المدعومة؟ يا ويلي وين صرنا، اهذه سوريا الصومال فنزويلا أم لبنان؟! عن جد هيدا لبنان؟! نحن نتعارك لأجل كيس حليب أو سكر أو رز مدعوم! وها نحن الآن سنقف طوابير أمام المستشفيات، ولن نجد سريراً ننام عليه لمداواة أمراضنا، وقد نشهد على معارك ضارية بين مرضى المرارة والزايدة وتشابك المصارين وبنات الاذن وابنائها وكل العيلة والسليلة على افضلية الاستشفاء في ما بيننا! ومن شو بيشكي الطب العربي؟ فلنبحث عن الطبيب المغربي، “ابو كيس”، ذاك المجهول الغامض الصامت، الذي كنا نهرب منه ونحن اطفالا ظناً أنه سيأكلنا أحياء ما لم نسمع كلمة الاهل. الآن صرنا نفعل وزيادة عن اللزوم، نسمع كلمة الأهل وستي وجدي من القبر أيضاً، وها نحن منصاعين صاغرين نقف برؤوس مطأطأة أمام الطوابير المتنوعة المشكّلة، وصارت ثورتنا الوحيدة ونصرنا الكبير اليتيم المجيد، الحصول على مواد مدعومة هللوياااا!
هللويا يا زمن، صار لنا انتصارات مجيدة متكررة على مدار الأيام، وصار لنا حرية اختيار الطابور المفضل لدينا، ولك هللويا حصلت على كيس حليب مدعوم، على كيلو لحمة مدعومة، علبة شاي، نص كيلو بن، ما هذا العز والفخر والرفاهية يا إلهي؟! هللويا يا سلطة برافو عليكي أدّبتنا كأفضل ما يكون الأدب، وربيتي القمل برؤوسنا، قملة قملة والله، بنات عز ودلال، وتعبت عليها لتكون بمستوى فكرك التنظيمي غير المسبوق!!
10 نوار 1997، زار لبنان البابا بولس الثاني، كنا في احتلال سوري متوحش، يومذاك جعل من لبنان وطن الرسالة، ومعه تجرّعنا شحنات الأمل بالغد وعاد الينا الشعور بإنسانيتنا، بعد 24 عاماً على الزيارة، وطن الرسالة صار طابوراً، والاحتلال الإيراني ينهش إنسانيته نهشاً، على عيون سلطة متواطئة جائعة بشراسة للمزيد من السلطة. وطن الرسالة صار وطن الطوابير. وطن الرسالة خسر حاله وثورته وغضبه ليذوب تحت شمس الانتظار قبل الحصول على تنكة بنزين وعلبة حليب مدعوم. وطن الرسالة عند كل طابور مستسلم لانتظاره، يمزق بوحشية غير موصوفة رسالته السامية تحت نعال الاحتلال، تحت سواطير سلطة الفساد والذل.
كتبت مواطنة عبر صفحتها “لشو رايحين ع الشغل، إذا كنتو بتقبضو 100 دولار بالشهر وكل المواد الغذائية مقطوعة وما في بنزين توصلوا ع اشغالكن؟ لمين عم تشتغلوا اصلا إذا كل لقمة نصها بتسرقها هالدولة الفجعانة؟” معها حق، وها أنا كما كل اللبنانيين أعلن غضبي ورفضي المطلق واستنكاري وشجبي وقهري وزعلي على كل ما يجري و…. والآن اعذروني تأخرت على مواعيدي، حان الوقت، يجب أن أذهب لأقف في الطابور حتى ما حدن ياخد دوري… هذه ثورتنا الفيسبوكية المجيدة، وغداً، قريباً جداً، وعندما يحين وقت الانتخابات النيابية، اوعا، اوعا تنسوا ان تعيدوا الثقة بمن جعلكم رقماً في طابور، وإياكم ألا تسقطوا اسماءهم في صندوق الاقتراع، كي لا نخسر طوابير ذلنا المجيدة المقبلة… أوكي؟ أوعا تنسوا!
