حرب كبرى على إيقاع المفاوضات الأكبر

 

لا يمكن للمرء إلا أن يتعاطف مع المظلوم في العالم حتّى لو كان هذا المظلوم نفسه هو ظالم في يوم ما. انطلاقًا من هذا المبدأ يأتي تعاطفنا مع ما يتعرّض له الشعب الفلسطيني اليوم. هذا الشعب الذي يشبه الشعب اللبناني في مكان ما كونهما أسيرين للنظام الايراني الذي يوظّف وجع هذين الشعبين في خدمة ملفّه التفاوضي. فهل سيستطيع هذان الشعبان التحرّر من نير الاحتلال الايراني المقنّع؟ وما هو الرابط بين ما يحصل اليوم في فيينّا وفي غزّة وبيروت؟

ممّا لا شكّ فيه أنّ هذا أعنف قصف متبادل بين إسرائيل وحماس منذ حرب عام 2014 في غزة، مما أثار قلقًا دوليًا من أن يخرج الوضع عن السيطرة. ويبقى التساؤل الكبير الذي يطرح نفسه: هل المطلوب أن يخرج الوضع عن السيطرة؟ أم أنّ ما يحدث يجب أن يبقى مضبوط الايقاع كي لا يؤثّر سلبًا في المسار التفاوضي؟ على ما يبدو اليوم أنّ الأمور تتّجه نحو التصعيد أكثر فأكثر لأنّ المفاوض الايراني هو المأزوم عكس ما يحاول محور إيران الايحاء به، على حدّ ما قال مبعوث الأمم المتحدة للسلام في الشرق الأوسط تور وينسلاند على تويتر “أوقفوا إطلاق النار على الفور. نحن نصعد (الأمور) نحو حرب شاملة”. فمَن يستمع إلى الوسائل الاعلاميّة التي تدور في فلك المحور الايراني يعتقد للوهلة الأولى أنّ واشنطن باتت تحت السيطرة الايرانيّة، والقوافل تتوجّه من قم للصلاة في المسجد الأقصى في القدس!

والدّليل في ذلك، لماذا تمّ تحريك جبهة غزّة في هذه اللحظة؟ فلو أنّ المفاوِض الايراني مرتاح وليس محتاجا لتحسين شروطه التفاوضيّة لما أشعل جبهة غزّة التي تعتبر الخاصرة الأضعف في النّزاع الاسرائيلي العربي. لكن إعداد إيران للجهاد الاسلامي وحماس طوال هذه السنين لم يكن هباء، بل كان للوصول إلى هذا الهدف. لكن بعدما حذّر وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس من أن بلاده لا تقبل بأن تتعرّض لقصف يمسّ أمن مواطنيها، وقال: “لا يزال هناك كثير من الأهداف في دائرة الإستهداف، هذه ليست سوى البداية”، وبعدما هدّد رئيس هيئة الأركان الإسرائيلية أفيف كوخافي بأنّهم مستعدّون لتوسيع المعركة في قطاع غزة إذا لزم الأمر،  ذلك ينبئ بوقوع كارثة في المنطقة التي قد تنزلق إلى ضربات شاملة لا حرب كرّ وفرّ. بل ستشهد المنطقة كرًّا وفرًّا من الجولات الصاروخيّة لا سيّما بعد تأكيد رئيس المكتب السياسي لـ”حماس” إسماعيل هنيّة بأنّ “المقاومة جاهزة” إذا أرادت إسرائيل “التصعيد”، وقال: “إذا أرادوا (إسرائيل) أن يُصعّدوا، فالمقاومة جاهزة. إذا أرادوا أن يتوقّفوا، المقاومة جاهزة”، مضيفاً: “هذه رسالة أوصلناها لكلّ من يعنيه الأمر”.

فهذه الرسائل ليست سوى مزيدًا من المؤشّرات على أنّ منسوب هذه الحرب سيرتفع. وسيشهد تأزّمًا إضافيًّا في الملفّ الحكومي  اللبناني، على أمل أن يبقى محصورًا في السياسة فقط. لكن قد يجد نفسه حزب الله، صاحب اليد في الحكم في لبنان مأزومًا لدرجة إقحام نفسه في المعركة الصاروخيّة الدائرة، وعندها لن يبقى للبنان سوى الترحّم على الأزمات المتتالية التي يعيشها إن أُضيفت إليها اعتداءات صاروخيّة قد تؤدّي إلى دمار شامل فيما تبقّى من بنى تحتيّة في هذا البلد المنهوك أساسًا.

وعلى ما يبدو أنّ اتّصالات التهدئة الفاشلة التي قادها وزير الخارجية المصري سامح شكري خلال اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب على حدّ قوله : إنّ “مصر تحرّكت بشكل مكثف” وأجرت اتصالات مع إسرائيل ودول عربية ذات علاقة من أجل التهدئة، لكنّها “لم تجد الصدى اللازم”، سترفع وتيرة هذه الاعتداءات في الأيّام القليلة القادمة التي من المحتمل أن تشهد هدنة إنسانيّة حتّى الانتهاء من مرحلة عيد الفطر.

وبحسب ما  قاله بعض الدبلوماسّيون “إن مجلس الأمن الدولي سيعقد جلسة مغلقة يوم الأربعاء لبحث الصراع بين إسرائيل والفصائل المسلحة في قطاع غزة الذي تديره حركة حماس”، يبدو أنّ الموضوع آخذ في التّصعيد ولن تتمكّن الأمم المتحدة من كبحه إلا في حال واحدة، أي في حال تمّ تقديم تنازلات في فيينّا. لكن على عكس ما يعتقد الجانب الايراني، فالادارة الديمقراطيّة المرنة في التفاوض ستظهر المزيد من التشدّد تحت الضغط الذي قد تمارسه إسرائيل في إشعال المنطقة صاروخيًّا، غير آبهة بأيّ نتائج قد تترتّب على ذلك. فهي، أي إسرائيل، غير  مرتاحة لما يحدث في فيينّا ولن تسمح بالتمادي به لأنّه سيطيح بمصالحها الخاصّة.

ويبدو أنّها، أي إسرائيل، تعوّل كما دائمًا على ما قاله البيت الأبيض أمس الثلاثاء: ” إن لإسرائيل الحق المشروع في الدفاع عن نفسها في مواجهة الهجمات الصاروخية التي تشنها حركة حماس.” لكنّه مارس ضغوطًا على إسرائيل بشأن معاملة الفلسطينيين، قائلا إن القدس “يجب أن تكون مكانا للتعايش”. وصرّحت المتحدثة باسم البيت الأبيض “جين ساكي” في مؤتمرها الصحفي “أن الولايات المتحدة تدين الهجمات الصاروخية التي تشنها حماس وجماعات أخرى، بما في ذلك الهجمات على القدس”، وإن دعم بايدن “لأمن إسرائيل وحقّها المشروع في الدفاع عن نفسها وشعبها أساسي ولن يتراجع أبدا، يجب أن تكون القدس، وهي مدينة لها أهمية كبيرة للشعوب المؤمنة في أنحاء العالم، مكانا للتعايش”.

بناء على ذلك كلّه،  لن تستطيع الشعوب الرازحة تحت الاحتلال الايراني التحرّر من هذا الاحتلال لأنّها غير موحّدة. فالتحرّر يجب أن يبدأ أوّلا من بلورة رأي عام رافض لهذا الواقع الاحتلالي، ومن ثمّ استغلال المعطيات الدوليّة وتوظيفها في الساحة السياسيّة الدّاخليّة كي لا يجرّ هذا الاحتلال البلدان التي يسيطر عليها إلى حرب شاملة ستطيح حتمًا بما تبقّى من أيّ مقوّمات وجود. فهل ستتمكّن الدّول الكبرى من التفاوض على إيقاع حروب الدّول الصّغرى؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل