
من الاخر سيدنا، وعند اول السطور لك مني شكوى ورسالة وطلب… آه عفوا سيدنا، بدأت تحيتي لك بالمقلوب قبل ان اصبّح وامسّي عليك اولا. اعذرني ارجوك فأنا منقوعة بأحد طوابير الذل، ابحث عن علبة دواء لابي ومن ثم سأنضم الى طابور البنزين علّني املأ خزاني الجاف بعشرين الف ليرة من البنزين، قبل ان يهربوه سيدنا من دربنا قوّامة قوّامة على سوريا… يعزّ علي سيدنا ان ابدا رسالتي هيك بالنق، ماذا عساني افعل يا من تحولت الى ايقونة المقاومة في وقت نغرق نحن بالزمن البائس اياه ما غيره الذي اخبرتنا انت عنه منذ كم سنة، حين كنت تخاطب الشباب والشابات بقداس الشهداء، اتذكر سيدنا؟
هل يذكر من صاروا بجوار الرب ما فعلوه قبل انتقالهم اليه؟! هل لديهم الوقت الكافي ليستمعوا من فوق الغيم الى من لا يزالون بجوار الذل، يصلّون ليصبحوا عما قريب في الغيم لفرط يأسهم؟ اصلا عندك وقت سيدنا لتستمع الى ابنة بائسة من ابنائك، كانت لفترة طويلة، وانت على قيد الكرامة، تعتبر ان طالما عنا البطرك صفير يعني الدني بألف خير، ولما رحلت فقدت الكثير من تفاؤلها لولا بعض من بارقة امل، في بعض من الاشخاص الذين يصرّون على المضي على دروبك المعبدة بالأمل والنضال؟
…آه عفوا مرة ثانية، لم اعرّفك عن حالي، او لنقل لم اذكّرك بشخصي الكريم “العظيم”، انا تلك الصحافية التي قابلتك قبل رحيلك بنحو ستة اشهر، مع عدد من زملائها في مجلة المسيرة، مجلة المقاومة اللبنانية التي كنت تحب قراءتها دوما، وقلت لك يومذاك “مسيرتي الاعلامية ناقصة لأني ولا مرة عملت معك مقابلة خاصة”، يومها ابتسمت من قلب قلبك وضحكت تلك الضحكة الشهيرة التي كنت تطلقها نادرا، ثم نظرت الى جميعنا وقلت “انا بحبكن كلكن”.
لا يمكن لك ان تتصور مدى المعاناة يوم طُلب مني ان اكتب عنك يوم رحيلك، في ذاك الـ 12 نوار 2019، كان اصعب من الصعوبة ان اكتب “مات البطرك صفير”، مات؟ مات؟ مستحيل، انت رجل لا يموت سيدنا…لا لا تستنكر ارجوك، انت لست المسيح ولن تكون اعرف، لكن انت تعرفنا تماما وتعرف انك في نبض الوطن ما مت بعد، في عمر المقاومة لن تموت يوما، في تاريخ البطاركة الموارنة انت قصة حياة على مدى الازمان والاجيال، في حكاية لبنان، انت حدث يومي ينبض بالكرامة ويدعو الساخرين والمتهورين والعملاء والمستخفين والمتلاعبين برسالة لبنان، الى العودة عن ضلالهم والا فهذه الارض لن ترحمهم، لا على الارض ولا في السماء. انت وميض لا ينطفئ سيدنا ولا اعرف حتى الساعة كيف كتبت عن موتك ولا ما كتبت، لكن ما اعرفه ان حرقة القلب على رحيلك، تكاد تحرق عمرنا ليس لأننا لا نؤمن بالقيامة، ولكن يا سيدنا دخيلك انظر ما يجري في لبنان، انظر الى حقولنا المحروقة باليباس، ويباسنا هو الكرامة المدعوسة تحت ارجل السفهاء، يحكمنا الانذال يا سيدنا ورأسنا في الارض ممرمغ بالعار.
يقتلنا العار يا سيدنا وكلما رفعنا راسنا بالعنفوان يمعسنا ذل اكبر بعد، ذل صراخ الاطفال والمرضى والجياع والمشردين والمتألمين والضحايا الابرياء واللاعدالة، اللاعدالة يا سيدنا تحرق الاخضر واليابس في لبنان، ماذا اخبرك بعد؟ اسأل ربّك يخبرك عن باقي التفاصيل، انا أعجز من ان انقل لك الصورة بالنقاء المطلوب، هل لك ان تتوسط لنا عند العذراء القريبة عليك ان تتشفع بلبنان عند ابنها؟ معقول ان تفعلها سيدنا؟ وحياة معزتك عند الاف الشباب والصبايا والاجيال المتعاقبة على احترامك، افعلها سيدنا…
…افففف اغفر لي سيدنا اغرقتك بهمومي بدل ان اكتب لك رسالة جميلة حنونة، فيها ما فيها من تعابير الغار والعز والتقدير، لكن يا كبير انا لا اكذب ولا اجامل، انت وجه الحقيقة في لبنان، علمتنا ان نكون حقيقيين، شرفاء، مناضلين، مثابرين في الدفاع عن قيمنا وارضنا، فكيف اكذب عليك يا معلمي؟! وكي اثبت لك صدقي، اخبرك اننا ونحن في عز الاحتلال ما زلنا نقاوم، في دعس الطوابير، نصرخ بالعنفوان، من تحت الردم، نرفع الحجارة عنا وننفض غبار الموت ونعلن عليه الحياة، وفي عز عز شح الرجال الرجال سيدنا، يتبقى لنا البعض القليل منهم، من يمسك بنا الى دروب الامل والنضال، ما زال عندنا رجل كبير في السياسة يردنا الى دروب الكرامة، وعندنا رجل اكبر بعد في الكنيسة المارونية يمسك بعصاك ويضربها بالأرض معلنا بقاء لبنان والنضال لأجل كيان لبنان، رغم كل طيور الشؤم التي تحوم حول بكركي ولبنان، عندنا سمير جعجع والبطرك الراعي سيدنا ونحن نقاوم…
كتّرت عليك حكي اعرف، لكن اشتقنالك كتير، صحيح انتهى كاسك على الارض، وقلت ما قلته، كنت سيد الصرح ومعك صار صرح السيادة، لكن على وعد العنفوان والايمان والنضال باقون سيدنا، بس وحياتك، وحياتك تبقى اذكرنا بصلاتك يا حارس الحراس.
