
كتبت د.ريما بجاني في “المسيرة” – العدد 1716
أظهرت أزمة كورونا العالمية، وما نتج عنها من تغيّرات في المجتمعات، حاجة للعمل على تطوير الذات والقدرات الذهنيّة للعمل على تخطّي الأزمات. وساهمت سرعة حدوث التغيّرات في ظهور أعراض جديدة أو زيادة في أعراض نفسيّة مرتبطة بالوضع الراهن. ومن أهم الدراسات التي أُجريت حول هذا الموضوع، كانت الدراسة التي قامت بها جامعة هارفرد ولخصت الحالة تحت العنوان التالي: emotionally drained.
مما لا شك فيه أن أزمة كورونا عالميًا كان لها تأثير نفسي كبير على الوضع في لبنان. لكن ثمة معطيات إضافية محليًا ساهمت في تأزيم الوضع النفسي على الأفراد والمجتمع، بدءا بالوضع الإقتصادي والأزمة المعيشيّة وانفجار بيروت، وأخيرًا وليس آخرا وباء كورونا. ولن ننسى طبعًا أن اللبناني لم يتعامل مع كل المصائب التي توالت عليه منذ 50 عامًا، إذ إننا الى حد ما نتوارث المشاكل النفسيّة.
من هذا المنطلق، سنستعرض من خلال بعض النقاط آلية العمل لاكتساب بعض الخصائص الإيجابيّة للعمل على تطوير المرونة وتخطّي المشاكل. وفي ما يلي عرض لبعض النقاط عن كيفية التعامل مع الظروف الصعبة المفاجئة، ويتوقف حول قدرة الشخص على العمل على تطوير ذاته. وإذا ما شعر المرء بصعوبة القيام ببعض هذه الخطوات والإنزلاق نحو الكآبة أو سواها من الأعراض النفسيّة، فمن الضروري إستشارة أخصائي.
ما نتكلم عنه اليوم هو burn out وكيف يمكن أن نكون emotionally drained، من خلال نمط معيّن من الحياة المغمّسة بالكثير من القلق والمشاكل سواء أكانت صحية أو مادية أو غيرها. وفي بعض الأحيان هناك مشاكل تحل فجأة على الإنسان وتغيّر في نمط الحياة، فيشعر بضغط وخوف ومن عدم القدرة على تخطّيها.
إن جائحة كورونا، ومن حيث لا ندري، غيَّرت الكثير من نمط الحياة، من دون أن ننسى أنها في حد ذاتها مصدر قلق وخوف، فهذا الوباء جديد وغامض ويمكن أن يؤدي الى الموت مع عدم القدرة على السيطرة عليه بطريقة دقيقة. كل هذه الأمور تساعد على زيادة منسوب القلق، إذ إننا نشعر بفقدان السيطرة على الأمور التي تحيط بنا، فتزعزع الإستقرار النفسي الى حد ما.
1- الإبتعاد عن الأخبار المقلقة
بداية، ليُحافظ الإنسان على استقراره النفسي، ويتمكن من التغلّب على المشاكل، من المفترض أولاً أن يبتعد عن الأخبار السوداوية والتي تسبب له القلق. ليس عليه أن يتلقى بشكل دائم المعطيات المقلقة، إنما عليه أن يكون مطلعًا على هذه المعطيات ليعرف التوجّه الذي يجب اتباعه، وأن ينقطع عن الأخبار التي تزيد من نسبة القلق. فتصبح حاله النفسيّة أشبه بلعبة اليويو التي تتحرّك من خلال الأخبار المتلقات.
2- من المُستحسن إحاطة أنفسنا بالأشخاص الإيجابيين، وأن نحدِّد كمية السلبية. ومن خلال الذكاء العاطفي، يمكن تنمية القدرة على الفصل بين تلقّي الطاقة السلبية وعدم السماح لها بالتغلغل بين أفكارنا، مما يساعد على زيادة الإنفعالات السلبية. على الإنسان أن يحدّ من التعرُّض للسلبية وينمِّي الطاقة الإيجابية.
3- على الإنسان أن يجد طريقة لمساعدة الآخر، بحسب قدراته وإمكاناته وطاقاته، مما يعطيه طاقة إيجابية وينمِّي ثقته بنفسه ويعزز من ثقته ومقدّراته. الى ذلك، المساعدة الماديّة مهمة، ولكن الأهم هو وجودنا الشخصي مع الأشخاص الذين هم بحاجة للمساعدة، سواء أكانت معنوية من دون إستنزاف كل قدراتنا النفسيّة، أو مساعدة جسدية، كمثل نقل الأغراض أو ترتيب البيت أو الإعتناء بالأولاد، إلخ. إن الحضور والمساعدة لهما أثر إيجابي على الطرفين.
4- من الخطوات الأساسية للقدرة على تنمية الذكاء العاطفي أن نتعرّف على عواطفنا وانفعالاتنا. يمر البعض بانفعالات من دون أن يكون لديهم القدرة على تحديد حالتهم، فلا يستطيعوا أن يجدوا الحلول الملائمة. إن القدرة على معرفة الذات وانفعالاتها تبدأ من الطفولة، عندما يقوم الأهل بالإضاءة على هذا الموضوع ويساعدوا أولادهم على أن يفهموا إنفعالاتها.
5- في أكثر الأحيان يقوم الشخص بالضغط على ذاته فيتغلغل الإحساس بالذنب أو عدم القدرة على القيام بواجباته. من هنا يُفترض أن ينظم الإنسان أفكاره وعدم تركها تتراكم، مما يُسبّب الإحساس بعدم القدرة على أن يكون على المستوى المطلوب، فينحدر نحو الكآبة. علينا أن نثق بقدراتنا، وننظم أمورنا والعمل على إنهائها حسب تراتبية الأهمية. وكل إنجاز نقوم به يساعدنا على الثقة أكثر والقدرة على تخطّي الظروف Bot to pressure yourself.
6- تُعتبر الحركة الجسدية من الأمور الأساسية التي تساعدنا للعمل على تنقية أفكارنا. لا يهمّ ما هو النشاط الذي نقوم به، الأهم هو أن نحرِّك جسدنا، حتى لو كنا في البيت، نستطيع أن نقوم ببعض الحركات التي تساعدنا على طرد الخمول والحفاظ على الطاقة الإيجابية. وطبعًا، الخروج الى الطبيعة هو من العوامل الإيجابية الأساسية.
7- المرونة هي من أهم الخصائص لمساعدتنا على تخطّي المشاكل في الظروف الصعبة. ويجب العمل عليها لتنميتها من خلال معرفة ما ينقصنا أولًا للعمل على طلب المساعدة، إن كان من خلال بعض الكتب والأفلام، أو المساعدة من إختصاصيين.
8- أخيرًا، على الإنسان أن يشعر بالإمتنان لكل ما هو حاصل عليه، وأن يعمل على التطوّر. الطموح شيء إيجابي، وكذلك الشعور بالإمتنان الذي يساعدنا على تخطّي المشاكل.
على الإنسان أن لا يقلل من أهمية الصحة النفسيّة التي هي من المكوّنات الأساسية لحياة سعيدة ولإنتاجية دائمة.
إن النقاط التي أوردناها سابقاً هي إضاءة على كيفية العمل من خلال بعض الأمور البسيطة من أجل الحفاظ على وضوح في التفكير، فنستطيع العمل على إنجاز الأعمال وتخطّي الأوضاع الصعبة.
د. ريما بجاني – محلّلة نفسيّة عياديّة – رئيسة دائرة المحلّلين والمعالجين النفسيين في حزب «القوات اللبنانية»
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
