الكهرباء بين العتمة والقضاء.. 4 حلول للإنقاذ

ما بين وزارة الطاقة وشركة كارادينيز” والقضاء، راح المواطن اللبناني ضحيّة التقنين القاسي الذي لو ارتأت مؤسسة كهرباء لبنان الحلول المؤقتة كما جاء في بيانها، يبقى التقنين المضني والطويل الأمد المصير الأسود.

في الثامنة من صباح الجمعة الماضي، أوقفت البواخر التركية في معملي الزوق والجية كافة المولدات العكسية لديها، ما أدى إلى انخفاض القدرات الإنتاجية الإجمالية المتوفرة على الشبكة الكهربائية اللبنانية بنحو 240 ميغاواط. وتأتي هذه الخطوة بعدما أعلنت شركة “كارباورشيب” التركية توقف باخرتيها “فاطمة غول” و”أورهان باي” الموجودتين على شواطئ الزوق والجية عن العمل، بسبب متأخرات السداد إذ تجاوزت مستحقات الشركة 180 مليون دولار، والدولة لم تسدّد الفواتير منذ كانون الأوّل 2019، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، اتهام الشركة بالتحايل على البنود الجزائية للعقود الموقعة مع الدولة اللبنانية، كما اتهام عدد من ممثلي الشركة في لبنان بدفع عمولات ورشاوى بهدف إتمام صفقة بواخر الطاقة.

إثر ذلك، عملت مؤسسة كهرباء لبنان على تشغيل بعض المجموعات الإنتاجية في معملي المحرّكات العكسية، في الزوق والجية، ورفع قدرة معمل الزوق القديم، ووضع مجموعة إنتاجية في معمل صور الحراري، ما يوفر 130 ميغاواط إضافية على الشبكة. وذلك تعويضاً عن جزء من النقص الحاصل جراء توقيف البواخر التركية لكافة مجموعاتها الإنتاجية.

أمام هذا الواقع، ما هي النقاط المهمة والممكنة لإنقاذ لبنان من العتمة التي قد تسيطر عليه؟

خبير الطاقة الدولي رودي بارودي يحدّدها عبر “موقع القوات اللبنانية” بالآتي:

ـ أولاً: تحسين الجباية: إنها أمر أكثر من ضروري خصوصاً أن مؤسسة كهرباء لبنان تحتاج إلى جباية كل قرش من اجل تأمين ليس فقط الفيول أويل، إنما ايضاً تأمين الإصلاحات التي تحتاج إليها معامل الانتاج والشبكة. من هنا بات من الضروري تركيب العدادات الذكية كما إعادة تقييم جدوى عقد مقدّمي الخدمات مع مؤسسة لبنان. اضافة الى ذلك من المفترض الحدّ من الخسائر الفنيّة (الهدر الفني) الذي تعاني منه شبكات النقل وشبكات التوزيع.

ـ ثانياً: عقد اتفاق من دولة الى دولة بين لبنان ومصر ولبنان وسوريا لاستجرار الغاز مع تسهيلات بالدفع تمتد الى ثلاث سنوات. ما يؤمّن مادة زهيدة الثمن وبيئية لتوليد الطاقة خصوصاً أن خط الغاز العربي وصل الى دمشق كما أن هناك خطاً بين لبنان (معمل دير عمار) وسوريا وسبق أن استورد لبنان الغاز من سوريا وذلك بين العامين 2004 و2006.

ـ ثالثاً: تأمين قرض من البنك الدولي قيمته 300 مليون دولار أميركي لتأمين إنتاج كهرباء بواسطة الطاقات المتجددة (شمس هواء …) ما يؤمّن حوالي 500 ميغاوات على أن يتم ذلك بواسطة البلديات واستعمال المشاعات. هذا الأمر يتطلب وفي أسرع وقت وضع قانون مفصّل لنقل هذه الطاقة وتوزيعها بواسطة كهرباء لبنان أو بيعها من القطاع الخاص وهذا القانون عالق اليوم بسبب رفض البعض إقراره “لغاية في نفِس يعقوب”.

ـ رابعاً: الأهم من كل ذلك إبعاد السياسات الضيّقة والصغيرة عن هذا القطاع الحيوي والمهم. ويتم ذلك عبر تطبيق فوري للقانون 462/2002 والذي يؤمّن قيام هيئة ناظمة مستقلة للقطاع ما يُبعده عن الأهواء السياسية، كما إقرار قانون عصري يشجع على إنتاج الطاقة بواسطة الطاقات المتجدّدة كما يشجع الناس والمؤسسات والمصانع والشركات على التوفير في استعمال الطاقة، إن عبر تحفيزات مالية وجمركية أو عبر فرض غرامات معينة.

لكنه يعتبر أن “الحلول التقليدية لأي مؤسسة استثمارية كمؤسسة كهرباء لبنان تتطلب وجود دولة بمؤسساتها الدستورية الثلاث تعمل وفقاً للأصول ولا تعاني مما يعاينه لبنان اليوم من أزمات بنيوية معروفة للقاصي والداني، فلتفعيل الجباية يتطلب وجود سلطة فاعلة وأجهزة ادارية وقضائية وأمنية تدعم مستخدمي وعمال المؤسسة لتمكينها من الجباية بعد معالجة مشكلات المؤسسة الإدارية”.

ويشدد على أن “استخدام ديون المؤسسة على الإدارات والمؤسسات العامة وهي بمئات مليارات الليرة اللبنانية للقول إن عجز الدولة هو السبب الرئيسي لعجز المؤسسة، هو كذرّ الرماد في العيون، لأن ما سلّفته الدولة للمؤسسة يتجاوز الخمسين مليار دولار وبالتالي لا مجال للمقارنة بين ما للدولة على المؤسسة وما عليها. كما أن القول إن هذه السلفات دعمٌ للمواطنين هي الكذبة الكبرى في حدّ ذاتها لتغطية الهدر الحاصل في هذا القطاع.

ويكرّر بارودي التأكيد أن الحل المستدام لقطاع الكهرباء في ظل هذه الظروف الاستثنائية، يتطلب قرارات وإجراءات استثنائية أيضاً منها على سبيل المثال لا الحصر:

1. تفعيل قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص لإنشاء معامل إنتاج جديدة بتمويل كامل من القطاع الخاص، على ان تؤمّن الدولة الأرض المناسبة لإنشائها إلى جانب معامل الكهرباء لتأمين الوفر في الكلفة عن الاستملاكات ومحطات التمويل وشبكات الربط مع شبكة كهرباء لبنان وتحضير دفاتر الشروط ومشاريع العقود النموذجية لاستجرار الطاقة من هذه المعامل الجديدة مع مراعاة مبادئ الشفافية والعدالة والمساواة وتأمين المرفق العام والمصلحة العامة بعيداً من السمسرات والهدر والزبائنية.

2. يمكن في المرحلة الانتقالية تكليف البلديات الكبرى واتحادات البلديات والقطاع الخاص عند غياب البلديات واتحاداتها. تركيب مؤقت لمجموعات إنتاجية صغيرة 18-20 ميغاوات (Reciprocating engine) لتحل محل مولّدات الكهرباء في الأحياء والقرى، إذ يتم تخفيض الكلفة إلى النصف أحياناً بعد اعتماد تعرفة لها شبيهة بالتعرفة المعتمدة للمولدات الخاصة حالياً، وهي أيضاً أقل أثر سلبي على البيئة ويمكن مستقبلاً تجميعها في معمل واحد أو أكثر.

3. اللجوء إلى الطاقات المتجددة (رياح، شمس، ماء …) هي ضرورة ولها الأفضلية مستقبلاً، إلا أن الطاقة المنتجة منها غالباً ما تكون غير مستقرة صعوداً وهبوطاً ولا يمكن الاتكال عليها بمفردها لاستقرار الامداد بالطاقة وتحتاج دائماً إلى طاقة متوفرة على شبكات الكهرباء لتؤمن الاستقرار الطاقوي للزبائن والناتجة من معامل إنتاج حرارية أو مائية.

وهناك احتمال أن يزوّد البنك الدولي عبر مصرف لبنان حوالي 300 مليون دولار لكل المنازل التي لا تملك حتى الآن طاقة شمسية لتركيب الجهاز الخاص بها وكلفتها تبلغ ألف دولار، على أن يستوفيها بعد 10 سنوات. الأمر الذي يخفف الضغط على الشبكة. ويشير إلى أهمية تفعيل استجرار الغاز من سوريا ومصر على أن يتم التسديد بين ثلاث وخمس سنوات.

4. تأمين الشروط والعقود والتعرفات والظروف المناسبة لهذه الحلول يستوجب حكماً وجود هيئة ناظمة لقطاع الكهرباء تتمتع بالاستقلالية والخبرة والمناقبية والشفافية لإدارة هذا القطاع كما يجب.

ويخلص بارودي إلى القول، الحل للخروج من هذه الأزمة هو قبل أي شيء تشكيل حكومة، ثم تطبيق القانون. لأن دولة القانون وحدها تُعيد مستحقات المؤسسة وتمكّن من تطبيق القوانين وتشجيع القطاع الخاص.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل