
في بلد التقلبات والجنون كل شيء جائز. لم تكن نهاية أسبوع الماضي عادية في لبنان. استعاد مواطنو هذا البلد بعضاً من أيام العز و”الكزدرة”، بعد حجر صحي واقتصادي طويل ومتعب.
لوهلة، وضعوا كل مشاكلهم السياسية والاجتماعية جانباً، وزادوا على ضيقتهم المادية أرقاماً إضافية، فأشاحوا بنظرهم عن ظلم هذه السلطة، وعاشوا، “آخر همن” لما سيحصل بعد ذلك.
الشواطئ والمنتجعات السياحية مكتظة بروادها. المطاعم بشوارعها المعروفة من طرابلس والبترون فجبيل وجونية، مروراً بأنطلياس وصولاً الى مار مخايل ـ الجميزة، جنّ جنونها، فتذكرت بعضاً من أيام “مفولين، عذراً”. كذلك الأمر بالنسبة للشاليهات وغرف الفنادق. ما أجمل لبنان عندما تدب فيه حياة ناسه، وما أغرب هذا المشهد الذي أعاد للبنانيين بعضاً من الأمل بأنه على الرغم من الفقر والبطالة يمكننا الصمود.
فادي يتقاضى مليون ليرة، ولا مدخول لديه بالدولار. وضع راتبه بجيبه وقصد أحد شوارع السهر المعروفة. دفع لسهرته 350 ألف ليرة من دون عشاء، لكنه مرتاح ومبسوط، “كنا ندّخرهم في المصارف ليومنا الأسود، فصارت أيامنا وأموالنا بلون الفحم. قررت ألا أفكر في المستقبل، لأنني سأكون محظوظاً إن عشت كل يوم بيومه في هذا البلد”.
حال فادي ينطبق على معظم المقيمين، الذين ضاقوا ذرعاً بالضغوط المحيطة بهم، فقرروا الانتقام لأنفسهم. صحيح أن عطلة نهاية الأسبوع الطويلة شهدت وصول عدد من المغتربين، لكن الأصح أن الحركة السياحية تركزت بشكل أساسي على لبنانيي الداخل، الذين أرادوا أن يطلقوا صرخة مدوية بوجه سلطتهم، “كفى. سنعيش رغماً عن أنوفكم”.
العام 2019، خرج من لبنان حوالي 500 ألف لبناني سائح للتعرف على بلاد هذا الكون، وأنفقوا ما لا يقل عن 3 مليارات دولار. هذا العام، بالكاد سيعتمد اللبنانيون على سياحة الداخل، إنما بالعملة الوطنية، وبشعار “على قدّ بساطك مدّ رجليك”، وفي الأمر بعض من الأمل. لكن بعيداً من أرقام البطالة والمعاشات المتهاوية وارتفاع سعر صرف الدولار، كيف يفسّر علم النفس ظاهرة نهاية الأسبوع، وهل ستكون مرشحة لأن تتكرر في كل weekend صيفي؟
تضع رئيسة جمعية تخطى للصحة النفسية سيسيليا ضومط مشاهدات نهاية الأسبوع السياحية في خانة “فشة الخلق” عند أول فرصة سانحة، لافتة الى أن الفترة الصعبة الطويلة التي مرّ بها اللبنانيون من الناحيتين الصحية والاقتصادية، والتي لم تنتهِ بعد، سببت لهم ضغطاً نفسياً وكبتاً كبيرين، فكانت النتيجة أنهم التقطوا أول فرصة سانحة وخرجوا للسهر والتنزه والاستمتاع على الشواطئ، في مؤشر واضح على رغبتهم وارادتهم الصلبة في الحياة والاستمرار والبقاء، وهذه صفات ليست غريبة عن طباعهم وعن قدرتهم على التحمل والمثابرة والمضي قدماً، على الرغم من كل شيء.
توضح في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن التحديات التي عاشوها ولا يزالون على مرّ تاريخهم، جعلتهم يبحثون دائماً عن طرق للمقاومة، تُرجمت هذه المرة بالـ”ويك أند” العاصف، على الرغم من الظروف المادية الصعبة، فأنفق كل شخص بحسب قدرته المادية، في مشهد واضح لرفض الواقع الحالي، لافتة الى أن اللبنانيين قاموا بما بوسعهم محاولين النهوض من جديد وإثبات أن الحياة تليق بهم مهما كانت ظروفهم صعبة والتحديات التي يعيشونها متشعبة.
ترى أن “حبّ الحياة” هذا، لا يلغي واقع الكبت الكبير الذي يعيشونه والذي ظهر كردة فعل واضحة، مؤكدة أن سياحة نهاية الأسبوع الداخلية، لن تفلح في تغيير الصورة المعيشية التي يعانون منها، ولن تتكرر أسبوعياً بالزخم ذاته، لأن الأوضاع الاقتصادية غيّرت الكثير من مفاهيم عيشهم، وهم لن يتمكنوا من تخطي التطورات والمؤثرات التي حصلت، والعودة الى ما كانوا يفعلونه منذ سنتين، أقله في الوقت الراهن.
وإذ تشير الى أن هناك فئة من اللبنانيين لا تزال قادرة على الصرف والبذخ، تذكّر بأننا بحاجة الى الكثير من الأمور ليومياتنا حتى نتمكن من “الكزدرة” والتسلية، موضحة أن أساسيات فقدت من أسواقنا ومن السوبرماركت ونحن غير قادرين على شرائها حتى إن وجدت. من هنا، يسعى اللبناني الى الاقتصاد في مأكله ومشربه وحاجاته اليومية، حتى يسدّ حاجته ويفرغ ذاته بـ”السهر والضهر”.
تؤكد أن العودة الى حقبة ما قبل سنتين من اليوم، شبه مستحيلة في الوقت الراهن، لأن هناك حقيقة نعيشها ومنطق لا بدّ من التفكير به، متوقفة عند من يتقاضى رواتب متدنية ويصرّ على السهر والتنزه وارتياد الشواطئ. تقول، “هذا يظهر تعب الناس وعدم قدرتهم على الاستمرار في نمط العيش الأخير، لكن هؤلاء سيخلقون لأنفسهم مشاكل مادية ونفسية، لأنهم سيرتاحون معنوياً موقتاً، بعد السهر والاستمتاع بأوقاتهم، لكنهم سيعودون الى ضغوطات إضافية عندما يصرفون كامل رواتبهم”، مشددة على أن هؤلاء، عندما سيصطدمون بالواقع، ما سيعيدهم الى الإحباط والشعور بالعجز عن تأمين الأساسيات، ومواجهة حقيقة أنهم لن يتمكنوا من العيش كما يرغبون.
