حُسنُ الضّيافةِ المُنتَفِض

بعدَ مسيرةِ استضافةِ النّازِحين السوريّين، الذين، وحَسبَ ما تمَّ التّكاذبُ علينا في صدَدِهم، أنّهم هارِبونَ من بؤرةِ الموت، وشراسةِ الخطر، وأقبيةِ التّنكيل، ما لبِثوا أن نَزَعوا عن وجهِهِم السُّفورَ، فبانَت حقيقتُهم التي تستوجبُ، منّا، أَمرَين: المُطالبةَ بترحيلِهم، فوراً، الى ديارِ رئيسِهم المُفَدّى، والذي اقترعوا لتجديدِ ولايتِه، بالدمّ، وكذلك استرجاعِ كلِّ قرشٍ نالوهُ، خلالَ إقامتِهم غيرِ البريئةِ، عندَنا، لأنّ ما حصلوا عليهِ هو من حقِّ اللبنانيّينَ، ومن تَعَبِهم، ومن تغطيتِهم لمصاريفِ النّازِحين، شحّاً في الكهرباءِ والسِّلَعِ والمحروقاتِ والأدويةِ، وسواها.

في ظلِّ الواقعِ التّاعسِ الذي فرضَته على لبنانَ القبائلُ التي تهدفُ الى تسليمِ البلدِ الى الشّيطان، لا بدَّ من صِراعٍ في بحرٍ هائجٍ، فالبحرُ الهادئُ لا يصنعُ بحّاراً ناجحاً. من هنا، وصَوناً لكرامةِ الوطنِ الذي لوّثوهُ بصواعقِ الموت، جاءَت ردَّةُ الفِعلِ، بالأمس، إستثنائيّةً، ترفضُ أن يُدرَجَ اسمُ السياديّينَ في لائحةِ الرّاكعين الخامِدين، الذين لا يرتَجُّ، عليهم، تذكُّرُ كرامتِهم. لذلك، كان ممنوعاً ألّا يُتْخَمَ يومُهم بلحظاتِ الشّهامةِ المختومةِ بالدّفاعِ عن حقِّ الوطنِ بالحقّ. بالإضافةِ الى رسالةٍ واضحةِ المَرمى، تعني أنّه ممنوعٌ، كذلك، أن تُعقَدَ أقواسُ المبايعةِ لِمُسَيِّبي الأرض، ولمُغتَصِبي شَرَفِها، من البلديّين والطّارئين، وتحتَ أيِّ ذريعة.

يُخطِئُ مَنْ يَحسَبُ أنّ الإنتفاضةَ التي أتاها شُبّانٌ أبطال، في التصدّي للنّازِحين، لم تصنعْ مِفصَلاً، أو ثورةً شبهَ حمراء تُثري الشّعورَ بالإنتماءِ الى الكرامة. فهذه الهبَّةُ التلقائيّةُ، وإنِ اتُّهِمَتِ القوّاتُ، زوراً، بالتّحضيرِ المُسبَقِ لها، تُعتَبَرُ، في الوجدانِ الوطنيِّ، سلوكاً لا يتنفَّسُ إلّا إِباءً، وجائزةً كبرى فازَ بها حُلمُ الشّعبِ المُنهَكِ الذي يُناهضُ بَسطَ سلطانِ الأحاديّةِ المستبِدَّة، وإعادةَ استحضارِ مَنْ غَوَّصَ لحمَهُ في طَعمِ الموتِ المُرّ.

إنّ المطالبةَ بترحيلِ النّازحين، لن تحسبَها الجهاتُ الدوليّةُ، وفي طليعتِها منظّمةُ الأممِ المتّحدة، إرغاماً لعودةٍ الى غياهبِ السّجونِ، والظّلمِ، والقَمعِ، لأنّ النّازحينَ ينبغي، موضوعيّاً، أن يعودوا الى المناطقِ التي يسيطرُ عليها النّظامُ الذي مَحَضوهُ ثقتَهم، وجاهروا بافتِداءِ رأسِهِ بالرّوحِ والدمّ. فمن غيرِ المسموحِ، أن يَشيحَ هذا النّظامُ بنَظَرِهِ عن مستقبلِ ” أبنائِه “، ولا يكفلَ العودةَ الآمنةَ لهم، ولا يوفِّرَ لهم أسبابَ العيشِ المَأمولة، بعدَ أن تأكَّدَ له، بالبرهان، أنّ هؤلاءِ، جميعاً، قد سَرَت، عليهم وفيهم، وبنجاح، خطَّةُ الأَدلَجةِ الرّوبوتيكيّةِ الإيدانتيكيّةِ، مئةً بالمئة.

وفي إِطارِ ما يحصلُ، إنّنا نعبرُ موسمَ تَعَدُّدِ السُّحناتِ لدى بعضِ المتزعِّمين، ما حوَّلَ العملَ السياسيَّ الى خيمةِ تَهريج. والأمرُ، هذا، يتجاوزُ الموقفَ السياسيَّ الى الأخلاق، وكأنّ الخيارَ اليتيمَ أمامَ هؤلاءِ الغَيارى والقادةِ، قد رَسا على الكذِب. وليسَ غريباً، بالتالي، الإعلانُ عن إفلاسِ هذا النّموذجِ من زعماءِ التَلَقّي، والإدّعاء، والمُراوغة، والذين يستخدمونَ حَلْقَ البَبَّغاءِ صَدىً لحيثُ يكونُ الصَّوت، مُستَعيضينَ عن تَرَهُّلِهِم العقليّ، وعن إنبطاحيَّتِهم، بموجةِ تصفيقِ أنصارِهم المُتَبَقّين، والغائبين عن الوعي، والذين يوهمون البَبَّغاءَ بأنّه كَنارٌ يطربون لِتَغريدِه.

إنّ هؤلاءِ المتزعّمين هم أصحابُ خيالٍ خَصبٍ في التَّزييف، حتى أنَّ المَيلَ المُفرِطَ إليه، صارَ، معهم، عقيدةً وسلوكاً إِلزاميّاً. وإذا كان الصِّدقُ في الرِّجالِ، أَصلَ المحمودات، فأسوأُ الأَدواءِ في الزعائميّين، عندنا، هو خَلقُ الأكاذيبِ، والإستخفافُ بالحقيقة، ونَظمُ الأوهام، حتى صُنِّفَ ما يأتونَ من الذّنوبِ الكبيرة.

أيّها النّازحون، لقد جعلتُم مشاهدَ البشاعةِ تُطِلُّ من عَيني الوطن، وساهمتم في سيادةِ شريعةِ قايين، إجراماً، ونَحراً للضيافة، وإتياناً للفظائعِ والموبقات، وهزّاً لعمودِ السلامةِ وإرادةِ الأمان. أمامَ هذا الإفتنانِ بشهوةِ الأذى، وبثقافةِ الجُحودِ ورَكلِ الفَضل، قد آنَ الأوانُ لتغييرِ قواعدِ اللّعبة، والإنقلابِ على مرافقةِ رُفاتِ وطنِنا الى المَقابر. لقد آنَ الأوانُ لِسَحبِ امتيازِكم الذي دمَّرَ بلدَنا، وأرهقَ شعبَنا، وزعزعَ فينا إرادةَ الحياة، لقد أزفَّتِ الساعةُ ليختلَّ وَكرُ الشّيطان، بعدما أعَدتم إنتاجَه، مع عملاءِ نظامِكم البلديّين، مرّاتٍ ومرّات. لم يعد لكم حقُّ التصرّفِ بمقدِّراتِ بلادِنا، بعدَ أن أنهَكتم حسنَ ضيافتِنا، فالظّاهرةُ الصحيّةُ الوحيدةُ، الآن، هي في رحيلِكم الى حيثُ كنتم، ولَو صَبَّ نظامُكم أرجلَكم في مكعَّباتٍ لتَثقيلِها، ورَمى بكم في “بَرَدى”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل