
“قولوا الحقّ والحقّ يحرّركم”. هذه قناعاتنا. هكذا تربّينا في بيوتنا. وهكذا دخلنا مدارسنا وجامعاتنا وتخرّجنا منها حاملين الشهادات لننطلق إلى سوق العمل بهذه الرّوحيّة. أن نشهد للحقيقة هو جلّ همّنا، وأسمى شهادة قد نشهدها هي على مثال الآباء والأجداد، حتّى لو وصلت بنا إلى حدّ الاستشهاد شرط ألا ننكر حقيقتنا الكيانيّة في هذه الأرض الفانية. ولدتنا أمّهاتنا أحرارًا، ونموت كالشجر واقفين، ولا نتخلّى عن حرّيتنا لأنّها جوهر وجودنا.
هذه المدرسة التي خرّجت الآلاف، ومنهم الشهيد المهندس رمزي عيراني. رمزي الذي ميّز الشهادة باستشهاده شاهدًا للحقّ. هو الذي رفض التنازل عن حرّيّته. وهو الذي كان المحرّك يوم أطفئت المحرّكات كلّها. حمل فكره وعقله وقرّر الاستمرار بمسيرة الآباء والأجداد. رفض رمزي أن يخضع كبعض ضعفاء النّفوس وقليلي الإيمان. جمعنا إليه، وكان “الحكيم” وهو في معتقله ثالثنا دائمًا. ليتوسّط نضالنا الرّبّ يسوع المسيح. رمزي الذي قرّر أن يحمل صليب هذه المقاومة أيّام اعتقال الحكيم ليبقى مشعل القضيّة مشتعلا. وذلك لأنّه كان المؤمن الذي حمل قضيّته وقرّر أن يسلّم الأمانة للحكيم، لأنّ إيمانه الكبير بحريّة الحكيم لم يضعف يومًا.
واجه رمزي النّظام الأمني اللبناني السوري المشترك بيد تحضن مسبحة الورديّة، وباليد الأخرى قلم يخطّ فيه المناشير التي قضّت مضاجع الأجهزة برمّتها وقتذاك. جمعنا حوله يوم كنّا طلابا يافعين في مصلحة الطّلاب، وبثّ فينا شعلة الايمان. وأبى أن تنطفئ “حتّى لو كلّفني ذلك حياتي الشخصيّة”، كما كان يردّد دائمًا على مسامعنا. حملنا في قلبه وكان يسأل عن كلّ طالب منّا في أيّ جامعة كان. ولا أنسى كيف كان يرسل إلينا التعليمات سرًّا، يوم كنت ورفاقي طالبًا في الجامعة اللبنانيّة في كليّة الآداب الفرع الثاني في الفنار. والجامعة آنذاك كانت مقرًّا لقوّات جيش الاحتلال السّوري. وكنّا نأتيها باكرًا لنزرع الصلبان المشطوبة وصور “الحكيم”، كما كنّا نتعاون ورفاقنا في كليّات الاعلام والعلوم لنوصل الصوت عاليًا.
ونعود كلّ مساء لنأخذ جرعة من الأمل والصمود والمقاومة من بيت يسوع الملك حيث أشرفت يومها النّائب ستريدا جعجع على قيادة حركة مقاومتنا السرّيّة. وكانت تنقل إلينا توجيهات الحكيم لأنّها استطاعت أن تبقى على صلة معه وهو في زنزانته، وأدارت بكلّ جرأة هذه المقاومة الضخمة التي كلّما كنّا نتعرّض لاضطهاد ما، كنّا نخرج بعزيمة أقوى وأصلب. وذلك كلّه لأنّها بقيت أمينة على وصيّة زوجها المعتقل، وإيمانًا منها بالقضيّة التي اعتُقِلَ لأجلها زوجها الصامد الصامت في معتقله، والمتكلّم بعيونها وبحناجرنا التي لم تنضب يومها.
رمزي لم يترك ساحة على مساحة الوطن إلا ووجد فيها ليجنّد الشباب ويحثّهم على العمل المقاوماتي. وذلك تكاملا مع العمل القيادي الذي مارسته سيّدة بيت يسوع الملك، السيدة ستريدا جعجع، وخاضت اختبارًا قويًّا جدًّا في الانتخابات البلديّة سنة 1998، وبعد هذه النتائج الضخمة على مساحة الوطن تمّ تشديد الحصار أكثر فأكثر. مع عدم إغفال دور السيّدة ستريدا آنذاك في لقاء قرنة شهوان حيث كانت الشريك الأساسي إلى جانب البطريرك الماروني، مار نصرالله بطرس صفير، حتّى نجحت باستجماع القوى القوّاتيّة في وحدة حال مع الكنيسة، وذهبت باتّجاه وحدة موقف مسيحي في قرنة شهوان، ونسجت شبكة العلاقات الوطنية مع النائب وليد جنبلاط وما يمثّله من وجدان لبناني في الجبل، وشكّلت الحاضنة للأجواء اللبنانيّة التي وصلت إليها القوّات اللبنانيّة في العام 2005. ذلك كلّه بانتظار خروج القائد من معتقله، وخروج المحتلّ السوري من لبنان.
وهذا الدّور الذي نجحت به سيّدة بيت يسوع الملك أتى استكمالا لمسيرة رمزي عيراني الذي حمل قضيّة الحكيم ونجح بإبقاها قضيّة حيّة لأنّه نقلها إلى الآلاف من الرّفاق الذين لم يكونوا على معرفة بالحكيم. حتّى شهد له بطريرك الاستقلال الثاني البطريرك مار نصرالله بطرس صفير بعد رحيله بسنتين تقريبًا يوم قال عندما زرناه: “وعندما أتصفّح وجوهكم أرى أن معظمكم منذ 10 سنوات لم يكن يدري من هي القوات اللبنانية». لقد شببتم على محبة قائد لم تعرفوه وبهذا لكم فضلٌ كبير. نحن معكم”.
فضْلُ رمزي على القضيّة كبير جدًّا لأنّه نجح في بثّ الحياة في شرايينها يوم حاول المحتلّ السوري وعملاؤه قطع الدّمّ عن هذه الشرايين فضخّ رمزي دماءه الذكيّة فيها في شهر العذراء، نوّار الرّبيع، لنعثر بعدها على جثته في 22 أيار 2002 مضرّجًا بدمائه. حمل رمزي المشعل انطلاقًا من مقولة بولس الرّسول “الويل لي إن لم أبشّر”، وراح يكرز بالقضية اللبنانيّة التي تبدأ عنده باستعادة حرّيّة الوطن بإطلاق سراح رئيس حزب القوّات اللبنانيّة الدكتور سمير جعجع من معتقله السياسي. وتكتمل بخروج المحتلّ السوري وبتطبيق الدّستور اللبناني لبناء دولة تليق بتضحيات رفاقه الشهداء، وتكون على قدر طموحات رمزي وأحلامه.
رمزي ليس ضحيّة بل شهيدًا. فهو ارتقى سلّم الشهادة في زمن السلم. وفي ذلك قمّة المحبّة حيث بذل نفسه عنّا نحن الذين ضعف إيماننا فقويت عزيمتنا وانتفضنا على ذواتنا، وقرّرنا السير من بعد رمزي كأنّه معنا في كنف بيت يسوع الملك. غادرنا كالرّبيع الذي يخطفه الخريف فيلفّه بغيم أيلول الأغبر، ويطوّق جيدَه بالضباب الكثيف حتّى الذي يُرى لا يعد يُرى. هكذا رحل رمزي لكنّه بقي بالنّسبة إلينا ذلك الرّبيع الذي لن يخنقه لا ضباب أشعث ولا غيم أغبر. وصار قدوة بالنسبة إلينا في مسألة الالتزام حتّى الاستشهاد. حتّى أنّه استطاع أن ينقل التزامه السياسي والوطني إلى زوجته الرفيقة جسي التي أبت أن تترك بيت يسوع الملك والسيّدة ستريدا جعجع فبقيت على وعدها لرمزي ولقضيّته، ونقلت هذا المشعل لولديها اللّذين تابعا مسيرة والدهما مع القائد الذي كان يحلم رمزي برؤيته حرًّا بخروجه من معتقله السياسي.
اليوم رمزي لا يزال حيًّا طالما القضيّة التي حملها بقيت وتبقى حيّة. وسنبقى أمينين للتعاليم التي علّمنا إيّاها في مسيرته الحزبيّة لنتابع المسيرة اليوم مع الحكيم حتّى نسلّم مشعل القضيّة مشتعلا لأبنائنا وأحفادنا من بعدنا. ليبقى ويستمرّ لبنان وطن الأرز والحريّة والكرامة.
