.jpg)
دخل وقف إطلاق النار في الأراضي المحتلّة حيّز التنفيذ، ولا يزال المحللون والباحثون يحاولون تقييم الوضع تحديداً بما يختص بموقف حزب الله العملاني، أي من جهة المشاركة في الأعمال القتالية المباشرة.
نظراً لديناميكية وميكانيكية المنطقة، قد تصبح هذه التحليلات متخطية للزمن، حتى قبل نشرها، إذ إن عملية اتخاذ القرار (The process of decision making) خصوصاً بما يتعلّق بمسألة الحرب أو السلم واللجوء للعنف كامتداد للسياسة، يحتاج لتحليل معمّق متصل بعدّة علوم منها السيكولوجية والسوسيولوجية بالإضافة إلى عامل ارتباط الوضع الداخلي (Domestic level) بالوضع الخارجي (Foreign affairs policy).
نسعى، في هذا المقال البحثي، إلى تشخيص عملية اتخاذ القرار في حزب الله بمسألة الحرب أو السلم بشكل علمي بعيداً عن التعقيدات والتشعّبات المرتبطة بالسياسات العليا والعالمية أي الـReal Politik و الـInternational Relations.
حزب الله وولاية الفقيه
في الصفحة 87 من كتاب نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، “حزب الله ـ المنهج ـ التجربة ـ المستقبل” نقرأ الآتي، “التزام حزب الله بولاية الفقيه حلقة من هذه السلسلة، إنه عمل في دائرة الإسلام وتطبيق أحكامه وهو سلوك في إطار التوجهات والقواعد التي رسمها الولي الفقيه”. هنا لا بد من الإشارة إلى أننا لسنا بصدد مقاربة الموضوع من الباب الديني أو الفقهي، لا تأييداً ولا انتقاداً، جلّ ما في الأمر بالعودة إلى النصوص أنها تتيح لنا فهم عملية اتخاذ القرار من قبل قيادة حزب الله لا سيّما بمسألة الحرب أو السلم.
في الكتاب المذكور ذاته، أعلاه صفحة 84، يكتب الشيخ نعيم قاسم، “من الواضح حجم الصلاحيات المنوطة بالولي الفقيه، فهو أمين على تطبيق الأحكام الإسلامية والسهر على النظام الإسلامي، واتخاذ السياسات الكبرى التي ترتبط بمصالح الأمة (Raison de la nation). وهو الذي يملك صلاحية قرار الحرب أو السلم، ويتحمل مسؤولية أمن الناس وأموالهم وأعراضهم، في تحديد الأحكام العامة الواجب إتباعها ومراقبة تنفيذها”.
أما الجواب يأتي بشكل أوضح عندما سأل أحدهم المرشد الأعلى علي خامنئي، “إذا كنت مقلّداً لأحد المراجع، وأعلن ولي أمر المسلمين أي الولي الفقيه الحرب ضد الكفرة الظالمين، أو الجهاد، ولم يجز لي المرجع الذي أقلّده الدخول في الحرب، فهل ألتزم برأيه أم لا؟”. يأتيه الجواب، “يجب إطاعة أوامر ولأمر المسلمين في الأمور العامة التي منها الدفاع عن الإسلام والمسلمين ضد الكفرة والطغاة المهاجمين. وهو رأي الفقهاء والأعلام”.
إذاً، بالحجة واليقين العلمي، قرار الحرب أو السلم ليس بيد حزب الله، خصوصاً أن تصريح الشيخ قاسم واضح ولا لبس فيه بأن التزام حزب الله بولاية الفقيه حلقة من السلسلة.
إيران
قد تمر أحداث غزة والقدس، التي حصلت أخيراً، من دون خلق إشكالية مقاربة مسألة دخول الحزب وإيران بالعمليات العسكرية المباشرة، لولا السردية الأخلاقية والدعاية السياسية التي تقدمها إيران ومن خلفها كل التنظيمات الدائرة في فلكها، ألّا وهي إزالة الكيان الإسرائيلي عن الخارطة والصلاة في المسجد الأقصى وكنيسة القيامة.
الدعاية السياسية
تنبع هذه الدعاية من حاجة لتخطي إشكالية واجهتها إيران الجمهورية الإسلامية، وهي اختيار النظام كما الحزب في لبنان منهجية للإسلام وفق منهج أهل البيت، ما شكل باباً واسعاً وطبيعياً للشيعة كمذهب أن يكونوا من أكثر المتفاعلين مع النهج الجديد في الحكم. كما أشرنا سابقاً، لسنا في معرض تقييم أو دراسة أي من العقائد والمنهجيات الدينية؛ لكن من باب واقع الحال، قد يشكل منهج أهل البيت عائقاً بتصدير الثورة الإسلامية خارج حدود إيران. فكان لا بد من رمز يجمع حوله أكبر عدد ممكن من شعوب المنطقة على مختلف انتماءاتهم من سنة وشيعة ومسيحيين، فكانت القدس.
إيران في إطار العلاقات الدولية
تعتمد إيران في سياساتها الخارجية على منهجين مختلفين لا بل متناقضين. العلاقة والتواصل مع التنظيمات والأحزاب المحلية والجمهور الواسع، اذ تتبع طهران سياسة خطاب الأزمات أي communication de crises، من خلال منهجية تروّج لما يجب أن تكون الأمور بشكل مثالي تحاكي التطلعات المتطابقة مع الدعاية الأساسية وتُعرف هذه المقاربة بالـnormative approach. أما بالنسبة للعلاقة مع الغرب، فاستراتيجية طهران مزيج من البرغماتية والواقعية وهي structural realism.
قد تقوم طهران بقبول صفقة الأسلحة المعروفة بـ”كونترا”، وبمفاوضات حول المشروع النووي، وملء الفراغ الأمني في العراق أبّان سقوط نظام صدّام، وممارسة أعلى درجات الاحترافية على الصعيد الدبلوماسي، لكن ذلك لا يعبّر إلا عن الثقافة الاستراتيجية الإيرانية المبنية على تراكمية أحداث تاريخية (constructivism)، خلاصتها حماية النواة (core) ومركز القرار، أي طهران، وخلق شبكة أمان من حوله أو ما يعرف بـspheres of influences، فيصبح قرار الحرب أو السلم مرتبط بدرجة المخاطر أو الأمان حول مركز القوة: طهران.
