Site icon Lebanese Forces Official Website

رداً على مغالطة الفرزلي

 

يتميَّز دولة الرئيس إيلي الفرزلي بإطلالاته الإعلامية الاستعراضية، وقد يكون من قلة قليلة تجيد فنّ التمثيل السياسي، ومن يتابع إطلالاته يظنّ نفسه أمام خشبة مسرح وممثِّل استعراضي أكثر منه أمام شاشة تلفزيونية ومقابلة سياسية، ويظنّ دولته أنه من خلال مشهدية من هذا النوع يستطيع التأثير في المتابعين فيأسرهم بحركات اليدين والوجه والجسد، ما يجعلهم في جهوزية أكبر لتقبُّل أفكاره غير القابلة للهضم السريع طبعًا.

ولا شكّ أيضًا أنّ أسلوب الفرزلي المسرحي مميّز، فيُبعد المشاهد عن الملل لمجرّد الاكتفاء بمتابعة حركيّة جسده التي لا تتوقف، ويجب عدم الانتقاص أيضًا من المخزون الذي يمتلكه الرجل، ولا التقليل من خلفيّته الفكرية، ولكن نقطة الضعف الكبرى للفرزلي تكمن في اعتقاده أنّه من خلال أسلوبه الاستعراضي بإمكانه تمرير الأفكار التي لا تمرّ على عاقل، و”لا تركب على قوس قزح”، ومن قبيل هذه الأفكار مثلاً محاولة إقناع المشاهدين بأنّه كان وراء فكرة إقناع كل من العماد ميشال عون عندما كان رئيسًا لـ”التيار الوطني الحر” والنائب جبران باسيل، بضرورة ان يرأس باسيل التيار، وان لا عون ولا باسيل كانا في هذا الوارد، وأنّه لولا محاولاته الحثيثة لإقناعهما لما وافقا على هذه المسألة.

فإذا كان يعتقد الفرزلي فعلا بأنّه كان وراء إقناع عون وباسيل بخلافة الثاني للأول في موقع التيار، فهذه مصيبة ونتراجع عن كل الصفات التي أغدقناها عليه لجهة الخلفيّة الفكريّة، وأمّا إذا كان لديه رسائل معيّنة من وراء هذه الرواية، تبدأ من الإيحاء حول مدى تأثيره في الرجلين، ولا تنتهي بإبقاء “شعرة معاوية” معهما بأنّه الأقدر على ترويج ما يخدم أهدافهما، فهذا شأنه طبعًا، ولكن روايات من هذا النوع لا تمرّ “حتى على عطشان”، لأنّه لا يوجد في حسابات وحياة عون الشخصية سوى باسيل، وأطماع الدنيا لا تروي غليل باسيل من رئاسة التيار إلى رئاسة الجمهوريّة.

وفي سياق حديثه المسرحي الممتع الذي ينسّي الناس همومها الحياتية على مدى ساعة من الوقت تطرّق دولته إلى مشروع “القانون الارثوذكسي” المتعلِّق بالانتخابات النيابية، واعتبر أنّ رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع هو من أسقطه، وبثقة العارف والشاهد على خفايا الحياة السياسية اللبنانية ودهاليزها، قال وهو يفتِّح عين ويغمض أخرى “جاء من قايض سمير بأن يتراجع عن المشروع الارثوذكسي مقابل تعزيز رصيد قواته ببعض النواب”، ولأنّ هذه المسألة يجب ألا تمرّ مرور الكرام بعرض الفرزلي المسرحي كونها ترتقي إلى المغالطة التاريخية، فلا بدّ من توضيح الآتي:

– أولاً، اتفقت القيادات المسيحية التي اجتمعت في بكركي في 3 نيسان 2013 بحضور العماد ميشال عون والنواب سليمان فرنجية، وسامي الجميل، وجورج عدوان ممثلاً الدكتور سمير جعجع، وشخصيات أخرى طبعًا، اتّفقت إذا على تعليق مشروع “القانون الارثوذكسي” بانتظار البحث عن قانون توافقي، وهذه الواقعة وحدها كافية في نسف كل ما قاله الفرزلي وادعاه، لأن التراجع عن هذا المشروع او تعليقه حصل بإجماع القيادات المسيحية في بكركي ومشاركة عون تحديداً.

– ثانيًا، الإجماع المسيحي في بكركي جرى على المختلط فقط، فيما نيّة العماد عون كانت العودة إلى قانون الستين، ولو كان متمسّكاً بالأرثوذكسي فلماذا طرح وزراؤه مشروع الثلاث عشرة دائرة والنسبيّة ثمّ طرح لبنان دائرة واحدة مع النسبيّة، ومعلوم بالوقائع أنّ “حزب الله” كان  أوّل من رفض المشروع الارثوذكسي، ولكنّه عاد ووافق عليه كجزء من مناورة سياسيّة لا أكثر ولا أقل.

– ثالثًا، يدرك الفرزلي الذي هو من أقرب المقربين والمنظّرين للرئيس نبيه بري أن رئيس مجلس النواب لديه جملة شهيرة يكرّرها في الأوقات والأحيان كلّها أنّه يرفض عقد أي جلسة تفتقد إلى الميثاقية، ومعلوم أنّ “المستقبل” و”الاشتراكي” كانا ضدّ هذا المشروع الذي لم يكن بري ليمرّره انطلاقًا من توجّههما لمقاطعة الجلسة وإفقادها ميثاقيتها.

– رابعاً، يُدرك الفرزلي أنّ قانون الانتخاب لا يمرّ بالتصويت الأكثري كأيّ قانون عادي، إنّما يتطلّب التوافق الميثاقي، و”المشروع الارثوذكسي” شكّل مشروع انقسام من طبيعة طائفية، وعلاوة على ذلك فإنّ قانون الانتخاب في بلد مثل لبنان يعكس التوازنات الطائفيّة والميثاقية، ولا يقتصر دوره على تداول السلطة، إنما يجسِّد التمثيل الفعلي للمجتمع، وبالتالي يستحيل إقراره على قاعدة انقسامية طائفيًّا.

– خامسًا، ولد “المشروع الارثوذكسي” ميتًا في ظلّ المعارضة السنية والدرزية الشديدة له، فيما “حزب الله” كان يدعمه تجنّبًا للظهور بمظهر المعارض والمتناقض مع عون، وكان يتكئ على غيره لإسقاطه، ولكن لو أحيل المشروع للتصويت لما صوّت معه قبل أن يتأمّن التوافق حوله وتجنّبًا لخلاف سني-شيعي، والدليل أنّ ترشيح “القوات اللبنانية” لميشال عون كان كفيلاً بانتخابه، ولكن الحزب لم يمنح الضوء الأخضر لهذا الانتخاب سوى بعد ترشيحه من بيت الوسط، وفي موازاة ذلك كلّه فإنّ الرئيس ميشال سليمان كان لوّح بالطعن بالمشروع لدى المجلس الدستوري في حال إقراره، ورئيس الحكومة آنذاك نجيب ميقاتي كان ضدّه، ما يعني غياب الإجماع الوطني حول الارثوذكسي مع رفض رئيسي الجمهورية والحكومة و”المستقبل” و”الاشتراكي”.

– سادسًا، استغلّ العماد عون المشروع الارثوذكسي من أجل المناورة السياسية والمزايدة على “القوات اللبنانية” على طريقة: حليفي أفضل من حليفك، وكان بأمسّ الحاجة لمزايدة مسيحية بعدما أظهرت انتخابات العام 2009 تراجع شعبيته بسبب تحالفه مع “حزب الله”.

– سابعًا، تمسُّك “القوات اللبنانية” بالقانون الانتخابي الحالي على رغم دعوات “المستقبل” و”الاشتراكي” و”أمل” وغيرهم لتغييره يقدِّم صورة جليّة عن مدى تمسُّك “القوات” بالجانب الميثاقي، والقانون الحالي الذي يؤمِّن التمثيل الصحيح كان أَقَرَ بالتوافق وبتصويت الثلاثي المذكور، وتعتبر “القوات” أنّ القانون الحالي هو من أفضل القوانين قاطبة التي أقرّت منذ العام 1992 وكانت قوانين محادل وبوسطات، ولن تقبل اي بحث بتغييره سوى بظروف تسمح بذلك ومن أجل مزيد من تحسين التمثيل لا العودة إلى زمن البوسطات.

– ثامنًا، معلوم أنّ التباين بين “القوات” و”المستقبل” بدأ مع تأييدها المشروع الارثوذكسي، وحرصها على التمثيل الصحيح للمكوّنات اللبنانية كلّها لا يعني تغطيتها لمشروع حرب أهلية، بل اعتبرت الارثوذكسي منطلقا ودافعًا من أجل التخلُّص من قانون الستين والذهاب إلى قانون جديد، ولولا الارثوذكسي لما أقرّ القانون الحالي، وبالتالي هذا المشروع الخلافي كان ضرورة من أجل الوصول إلى القانون الحالي، وكل من يرفض هذا القانون بحجج مختلفة هو ضدّ التمثيل الصحيح ويريد العودة إلى زمن البوسطات سعياً لتكبير حجمه على حساب غيره وضربًا للدستور والبعد الميثاقي.

– تاسعًا، أكدّ الدكتور سمير جعجع في مواقف معلنة ان التمثيل الصحيح يوازي السيادة في بلد تعددي مثل لبنان، وبالتالي التمسُّك بالسيادة لا يقلّ عن التمسُّك الميثاقي، إذ ما قيمة السيادة في حال أطيح وطن الرسالة؟

– عاشرًا، إنّ منطق المقايضات الذي تحدّث عنه الفرزلي ينطبق عليه وعلى المحور الذي ينتمي إليه من قبيل مقايضة السلطة بتغطية السلاح غير الشرعي وهكذا دواليك، ولكنّه لا ينطبق بتاتًا على “القوات اللبنانية” التي لا يعرف قاموسها المقايضات، لا في السيادة ولا التمثيل الصحيح، ولا الإصلاح، ولا إدارة الدولة..

كنا في غنى عن مناقشة دولة الرئيس الفرزلي، وكنا فضلنا الاكتفاء بمشاهدة قطعة مسرحية جميلة لساعة من الوقت بدلاً من عناء الردّ في مقالة تطلبت ساعة من الوقت، ولكن للضرورات أحكامها، والمغالطات لا يمكن أن تمرّ مرور الكرام، ونتمنى على الفرزلي أن يواصل عروضه المسرحية بعيداً عنا…

Exit mobile version