.jpg)
من الصعب أن تمرّ جلسة التصعيد، أو “الاستعار السياسي”، الذي شهده قصر الأونيسكو، السبت الماضي، مروراً عابراً. ورئاسة الجمهورية التي خرجَت من “مولِد” رسالتها إلى البرلمان بشأن أزمة تشكيل الحكومة “بلا حمّص”، لن تسلِّم بالهزيمة، والردّ آتٍ لا محالة، والأرجح أنه قيد التحضير. بينما في المقابل، قال الرئيس المكلف سعد الحريري كلمته النارية ومشى إلى أبو ظبي، بعدما أفاض فيها بكل مكنوناته وما اعتبره معاناة مديدة مع الرئيس ميشال عون منذ تكليفه تشكيل الحكومة.
وفي حين، يؤكد رئيس مجلس النواب نبيه بري أن “المشكلة الحكومية داخلية 100%، وسوس الخشب منه وفيه”، فهل يحتكر فعلاً الودّ المفقود بين عون والحريري وتجدُّد الاشتباك بينهما واتجاهه إلى تصعيد أكبر، أسباب تعثر ولادة الحكومة حتى الآن، على الرغم من الضغوط والاتهامات التي يتعرَّضان لها من الداخل والخارج وتحميلهما مسؤولية تأخُّر التأليف وتدهور الأوضاع، وإن بنسب متفاوتة؟ أم أن الصراع بين الرجلين انعكاس للصراع الأكبر القائم في المنطقة وامتداد له، ولبنان رهينته؟
مدير مركز المشرق للدراسات الاستراتيجية سامي نادر، يبيِّن، الحقائق ما بين ظاهر الأزمة ومضمونها الفعلي. ويشير، إلى أن “المشهد اللبناني يبدو في الظاهر وكأننا أمام أزمة نظام. أي أن الخلاف اليوم على صلاحيات الطوائف، وأن هذا ما يعطِّل تشكيل الحكومة، والعقدة عند رئيسَي الجمهورية والمكلَّف”.
ويرى، في حديث إلى موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أنه “في حال كانت المشكلة هنا، فهذه مصيبة، لأن الرئيسين يعجزان عن التفاهم ويدخلان البلاد في أزمة نظام، فيما الأزمة الحقيقية اقتصادية مالية حياتية. فالناس تجوع، بينما زعماء الطوائف يتقاتلون على حصص الطوائف”.
لكن نادر يشدد، على أنه “في القراءة المعمَّقة وانطلاقاً من التجربة التاريخية، يتبيَّن أنه في كل مرة كانت الأزمة في لبنان تأخذ شكل أزمة نظام، إنما في حقيقتها وواقعها وموازين القوى في السياسة، هي مرتبطة بالصراع في الإقليم. وورقة تشكيل الحكومة، ولبنان ككل، ورقة على طاولة المفاوضات، لأنه لم يسترجع مقوّمات سيادته، وربما لأن أزمة النظام المفتوحة تسمح بهذه التدخلات الخارجية”.
ويلفت، إلى أنه “يجب قراءة الأزمة ومعالجتها انطلاقاً من هذين الشقَّين: الظاهر منها والباطن، الذي لا يمكن إخفاؤه، والذي لا يخفِّف من مسؤولية اللاعبين الداخليين عن تنكُّب مسؤولياتهم الوطنية. فليُقفلوا هذا الباب وينظروا إلى حال الناس، لأن التدهور الاقتصادي الحياتي لم يعد يُحتمل ويفوق أي تصوُّر”.
وبالنسبة إلى ما يحصل في الإقليم، يوضح نادر أن “مفاوضات فيينا بشأن النووي معلَّقة. وبالأمس لم يتم التوصل إلى تمديد الاتفاق بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية حول تفتيش المنشآت النووية الإيرانية، وأعلن رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف عن أن اتفاق المراقبة الذي يمتد لثلاثة أشهر بين بلاده والوكالة انتهى اعتباراً من السبت الماضي، وأن الوكالة لن تتمكن من الاطلاع على البيانات التي تجمعها الكاميرات داخل المنشآت النووية”.
وإذ يعتبر، أن ذلك “سيؤدي إلى تجميد مفاوضات فيينا والاتفاق مع الوكالة الدولية، إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية الإيرانية في 18 حزيران المقبل، حتى ولو لم يعلن الإيرانيون ذلك”، يضيف أن “مسألة المفاوضات والتوصل إلى اتفاق باتا عنصراً أساسياً في الانتخابات الإيرانية، إذ إن مختلف المنخرطين في السباق الرئاسي يستغلون مفاوضات فيينا ومسارها للتصعيد في وجه الخصوم. بالتالي، المحاولة الأوروبية للتوصل إلى اتفاق مع طهران، قبل الانتخابات الرئاسية الإيرانية، لم تعد مطروحة”.
وعلى ضوء ذلك، يرى نادر، أنه “مع ترحيل التوصل إلى اتفاق إلى ما بعد الانتخابات الإيرانية، بالتالي، الملف اللبناني الذي يشكِّل جزءاً من أوراق طهران التفاوضية من أجل التوصل إلى اتفاق مع المجموعة الدولية، بات مؤجَّلاً”.
ويعرب نادر عن أسفه، لأن “هناك حالة إنكار في الداخل اللبناني وعدم وجود أي محاولة لسدّ باب التدخلات الإقليمية. فإذا كانوا يدخلون في أزمة نظام، مشكلة. وإذا كانوا يؤمِّنون الغطاء لاستعمال لبنان كورقة مفاوضات وأزمة النظام ليست سوى غلاف، هذه مشكلة أكبر. ولبنان في ظل هذا التخلِّي يتجِّه إلى مزيد من الانهيار، والدولة إلى مزيد من التحلُّل والتفكُّك”.
