
أنجبت رنا طفلها الأول منذ أربع سنوات، وعندما قررت ألا تتركه وحيداً، هالتها الأرقام التي حصلت عليها والتي ستتكبدها مع زوجها، بحال قرّرا الإنجاب في لبنان العام 2021، على الرغم من أن معظم أساسيات الطفل الجديد موجودة. عدَل الثنائي عن الفكرة بانتظار تحسن الأوضاع، لا سيما أن راتب كلٍّ منهما بات يعتبر متدنياً نسبةً إلى انهيار سعر صرف الليرة وارتفاع أسعار مختلف السلع والمواد الأساسية.
كان أجدادنا وجدّاتنا يقولون في ما مضى، “بيجي الولد وبتجي رزقتو معو”. مثلٌ اعتمدوه طويلاً، أما اليوم فلا “رزقة” ولا إمكانية لـ”ولد”، إذ إن مشروع الإنجاب بات تحدياً قد لا يتمكن الثنائي من تحملّه.
وفي عملية حسابية بسيطة، وبعيداً من الماركات العالمية التي لطالما فضَّلها اللبنانيون لتجهيزات أطفالهم والمولودين الجدد، وفي قراءة سريعة للأرقام، يكلِّف إنجاب طفل في لبنان اليوم حوالي 12 مليون ليرة… كيف؟ إليكم التفاصيل.
جهاز الملابس لطفل في أشهره الأولى، يتعدى الأربعة ملايين ليرة، إذا اعتمدنا فقط على الأساسيات، بعيداً من الـfantaisie التي لطالما ميَّزت ثياب الرُضَّع. في حين، شراء أساسيات الطفل الضرورية: سرير صغير للأشهر الأولى، عربة، مقعد خاص بالسيارة، كرسي للطعام، إضافةً الى حوض الحمام والـpotty، تتجاوز بحدها الأدنى الخمسة ملايين ليرة.
أما بالنسبة الى أدوات الرعاية والرضاعة، إليكم اللائحة: قنينتا الحليب والمياه بـ100 ألف ليرة لبنانية، وفرشاة الشعر ومقص الأظافر بـ70 ألف ليرة، وكذلك ميزان الحرارة بـ70 ألف ليرة، فيما صحن الأطفال والملعقة بـ80 ألف ليرة.
إذاً، ما إن يُبصر النور، 10 ملايين ليرة لأساسيات هذا الصغير المسكين، الذي سيطأ أرض بلاد الأرز مديوناً مدى الحياة، بفضل الفوضى السياسية والاجتماعية والمعيشية.
أما بدء من الساعات الأولى على ولادته، يحتاج الطفل شهرياً الى حفاضات وعلب حليب تتجاوز أسعارها 400 ألف ليرة، إضافة الى زيارة طبيب الأطفال شهرياً وتلقّي اللقاحات على مدى 9 أشهر متتالية، وتتراوح تكلفة ذلك ما بين 800 ومليون و200 ألف ليرة، بحسب كل طبيب. وفي حال احتاج الرضيع الى حضانة لوجود والديه في العمل، فهنا القضية، إذ باتت التسعيرة الشهرية توازي الراتب الكامل لأحد الوالدين.
هذا حتى السنة الأولى، أما بعد ذلك، فحدث ولا حرج. فتربية طفل بالحد الأدنى تحتاج، إضافةً الى أساسيات المأكل والطبابة والرعاية، إلى مشاريع لتنمية ذهنية الأطفال وتواصلهم الاجتماعي. بالتالي، لن يجد الأهل playgrounds، بأقل من 100 ألف ليرة في اليوم، بين لعب وأكل، ناهيك عن الأنشطة التثقيفية والرياضية الضرورية والتي لا تقل تكاليفها وطأة عن الأمور الأخرى. لنصل بعد 3 سنوات من ولادة الطفل الى الأهم، أي الأقساط المدرسية التي لا تنخفض عن 4 ملايين ليرة لبنانية… حتى الساعة.
وفي السياق، تثير المعطيات التي كشفت عنها دراسة هولندية حديثة القلق، بأن الأطفال الذين يولدون لأمهات وآباء أكثر نضجاً وتقدماً في العمر يتصرفون بشكل أفضل ويميلون لأن يكونوا أقل عدوانية من الأطفال المولودين لأبوين أصغر سناً. فقد يتلطَّى اللبنانيون خلف هذه الدراسة لتبرير امتناعهم عن الإنجاب، بعدما كانت العائلة الكبيرة مفخرة تاريخية للأجيال اللبنانية.
إنما في الواقع، لا الأهل يلامون إن عدوا للعشرة قبل الإنجاب، ولا المجتمع يحتمل هذا التراجع في الولادات، وهذه العادات التقشفية الضرورية المستحدثة التي تُنقص أعداد الولادات، المتراجعة أصلاً خلال السنوات العشر الماضية. وحدها الدولة، المسؤولة عن هذه المصيبة، وغيرها، تغرّد في أسراب المناكفات والبطاقات التمويلية الفاشلة والمشاريع القاتلة، على حساب الشعب ومستقبله وولاداته الجديدة، مع ثابتة وحيدة يتمسك بها اللبنانيون حتى الساعة، “نريد لأطفالنا حياة أفضل مما نحن عليه، وبالتالي لن نخاطر برميهم في جهنم”.
