شامخ مهما قسا عليه التراب

مَنْ يستظلُّ بفناءِ النّضالِ منذُ مُستهلِّ الصِّبا، وينفجرُ بركانُهُ مُتَسَعِّراً يرمي باللَّهَبِ مُنتَهِكي كرامةِ الأرض، الوَيلُ لِمَنْ يُصلى بِنارِه.

سمير جعجع بينَ مُكتَري المواجهةِ، هو مُعتَرِضَةٌ من عدّةِ صفحات. إنّ نضالَهُ النّظيفَ البُقعَةِ، والذي أُولِعَ بهِ كُثُرٌ، يَغرِزُ في الصّخرِ ارتِعاشات، وتَصطَكُّ لهُ الرُّكَبُ، وتزدحِمُ عندَه المُقَل. فهذا النّضالُ الشَّريفُ الذي لم تَخْبُ مصابيحُهُ، ولا هدأَت ريحُهُ في أنديةِ جعجع، كان علامةً فارقةً بحيثُ أنّ أيَّ موقفٍ من مواقفِهِ تَسَربَلَ بحماسةِ الدّفاعِ عن الكرامة، وأنَّ أيَّ طرحٍ من طروحاتِهِ صُقِلَ وَضّاءً لخدمةِ لبنان.

العلاقةُ بين سمير جعجع وبين النّضالِ هي علاقةٌ سَبَبيّةٌ بينَ الفِعلِ والإنفعالِ، كالنّارِ التي تُسَبِّبُ في غَلَيانِ الماء. لقد تصدّى لِضُروبِ الصُمِّ والعُميِ في مَثالِبِ الحكمِ والنّاس، وواجهَ مَن يتبوَّأونَ شأنَ القَومِ، فرآهم قوالبَ جَهلٍ مستورةً بثيابٍ، ومُنتَعِلَةً الأَلقاب. وترجمَ، بصمودِهِ، آمالَ الشَّعب، في صياغةِ مقاومةٍ جريئةٍ جابهَت، في الحربِ كما في السِّلم، مؤامراتِ الإنقضاضِ على الكيان، فكانَ، عن حقّ، خِلعةً في زمانِ لبنان.

لقد رفضَ جعجعُ الثّائرُ أن يُبادَ وطنُهُ بالأوجاع، وأن تَصفرَّ عيناهُ بالحزن، وأن ينفخَ في رئتَيهِ عَصفُ الموت، وأن يكونَ زنبقةً تَقطعُ عُنُقَها مَناجلُ الحقد. لذا، لم ينسلخْ عن النّضال، هذا الذي لَو لم يُؤاخِهِ جعجع ورفاقُهُ، لَما بقيَ ظلٌّ لِأَيِّ حقيقة، فجعلَهُ منارَ اسمِهِ، وحجّةَ تَصَدّيهِ، ورونقَ أهدافِه. لم تكنِ الوطنيّةُ كلاماً باردَ العبارةِ، مع جعجع، أو فاتِرَ التّأثير، إنّها كريمةُ الأَطواق، مزيَّنةٌ ببديعِ الكرامة، تجلّى فيها مُفاخِراً، مهما قَسا عليهِ التّراب.

لم يقتبِسْ سمير جعجع الوطنيّةَ، فهي كانت جملةً من القناعاتِ المُشَرَّشةِ في ذاتِه، دافعَ عنها، وكادَ أن يدفعَ حياتَه لها. وبالتالي، لم يرحمِ الذين نافَقوها، فكانَ نَثرُ مواجهتِهِ إيّاهم نَثرَ الشَّوك، هو الذي شربَ صَفوةَ لبنانَ الذي لا يموت، فتوطَّأَت في كيانِهِ، ولم يكنْ لها كِفايةَ المُتَحَفِّظ، فردَّها الى أوّلِ شعورٍ سامٍ وُلِدَ في الأرض، وآنذاكَ وُلِدَ الأبطال.

لم يكن سمير جعجع، يوماً، من المتسَلِّلين الى الواجهةِ السياسيةِ للسَّطوِ على موقعِ القرار، ولفَرضِ معادلاتٍ تُسقِطُ من اعتبارها تطلّعاتِ الشّعبِ التّائقِ الى وطنٍ حرٍّ لا تُحبَطُ فيهِ أحلامُ أجيالِه. لذلك، رفضَ جعجع المسكِّنات، وحرَّرَ نفسَه من التّرويجاتِ التي تمثّلُ انهياراً للسيادةِ، وتسطيحاً لفكرةِ الوطنِ / الدولة. ففي حين كانَتِ الغالبيّةُ من أصحابِ الشّأنِ تلتفُّ على مطلبِ النّاسِ في مستقبلٍ موثوق، تمسَّكَ جعجع بمشروعِ الدولةِ القويةِ القادرة، والتي، وحدَها، تشكّلُ الضمانةَ الحقيقيةَ القادرةَ على غَلقِ البابِ أمامَ أيِّ مغامرةٍ متربِّصَةٍ بالإستقرارِ، تحكمُ بالإعدامِ على الوطنِ ككيان، وعلى المساحةِ المُسَمّاةِ جمهورية.

سمير جعجع الذي لم يستطعْ أحدٌ انتزاعَ ولائِهِ بالخَوف، سعى، دوماً، الى انتظامِ العيشِ وِفقَ مبدأ القرار الحرّ المتميّزِ عن كلِّ تبعيّةٍ، خارجيّةً كانت أم داخليّة. لذلك، انتسبَ وجدانيّاً للكرامةِ الحرّة، ولمفهومِ الوطنِ السيّدِ لا الوطن المُنتَهَك أو الضحيّة، وقاومَ قُبحَ الأوصياءِ الذين أرادوا امتلاكَ لبنان ولايةً نهبوها، وتركوها، جثَّةً، في عهدةِ لصوص. فعندما يستفيقُ الجرح، يستفيقُ النّبضُ الثّوريُّ الذي رافقَ نضالَ جعجع لتقويضِ مؤامرةِ إخضاعِ الدولةِ والشّعبِ لسياقٍ سُلطانيٍّ مستَورَد، وما ذلك سوى انتصارٍ لعاملِ الكرامةِ الغَضبى في نفسِ مقاتِلٍ شَرِسٍ على الباطلِ، وعلى الخَوفِ الذي ما كانَ، يوماً، سلطاناً يحكمُ الشّجعان.

سمير جعجع الذي يُعتَدُّ به في الواقفِ الملتهبةِ، ليس في غيرِ زمانِه، لقد كشفَ الحجابَ عَمَّن عَصَروا حصرمةً في عَينِ يوضاس، وجرّعونا مرَّ الهَوانِ وطأطأةِ الجبين، وسفكوا دمَنا في التعدّي على مكوِّناتِ سيادتِنا، وقد أحدثَ موقفُهُ صدمةً نوعيّةً أعادَتِ الوعيَ الى ذاكرتِنا بأنّ الكرامةَ الوطنيّةَ مُواجهةٌ وليس استجداءً، موقفٌ ثابتٌ وليس انهزاماً، نِزالٌ بين الإستقامةِ على الحقّ وبينَ التنصّلِ والتقهقر. إنّ جرأةَ جعجع صرخةٌ لها صدىً، تواجهُ العهدَ القمعيَّ العَفِنَ المُتهالِك، وتبدِّدُ حلمَ صانعيهِ بأنّ زمنَهم المُنقَرِضَ سيُبعَثُ حيّاً.

سمير جعجع، لامَستَ جراحَ الوطن بمخزونِكَ السياديِّ الذي يفتقرُ له مَن يعانونَ العُريَ الوطنيّ، حامِلو البصمةِ المشوَّهةِ، أصحابُ حلمِ الإِطباقِ على البلاد، وكنتَ وفيّاً للحقِّ انطلاقاً من أنّ الثّباتَ على الحقِّ واجبُ الحرّ. إنّ قَدَرَ الرِّجالِ، كما أنت، في المواقفِ لا في الصَّفقات، لذلك، فالقافلةُ تسيرُ لا تُثنيها ممارساتُ المشبوهينَ الذين يتّخذونَ من التّهويلِ وسيلةً دنيئةً لِخَدشِ المُخلِصين.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل