بارقة أمل حكوميّة ميتة

لم تنطفئ محرّكات التشكيل بعد، لا بل أكثر من ذلك عاودت دورانها بقوّة على وقع الالتقاء السياسي الذي حلّ بين بكركي من جهة وعين التينة من جهة أخرى. فغبطة البطريرك يرى ألا مانع في تشكيل الحكومة ومن هنا أتى طرحه إلى تقديم تشكيلة جديدة. كذلك الرئيس برّي الذي أكّد على ضرورة تأليف حكومة من دون ثلث معطّل لأيّ طرف. وذلك على وقع اتّصالات يقودها الطرفان المذكوران آنفًا لتقريب وجهات النّظر بين التيارين: الأزرق والبرتقالي.

لكنّ المستقبل لا يخفي شكّه في نوايا البرتقالي من حيث الثلث المعطّل، وهو، أي التيار الوطني، الذي دأب على إعلان شيء في العلن والعمل على نقيضه في الباطن. وهذا ما يشي إلى عدم توقّع أيّ انفراج حكومي قريب. على الأقلّ في المدى المنظور. وذلك لانعدام الثقة بين الأطراف المحليّين، حيث أعلن الرئيس برّي أنّ المشكلة داخليّة مئة بالمئة. لكن على ما يبدو أنّ القرار اللبناني باقٍ بين طهران والشام حتّى حصول انفراجات داخليّة في هاتين الساحتين. لأنّ هذه المنظومة المتمثّلة بأكثريّة نيابيّة يهيمن عليها حزب الله قد رهنت لبنان بالكامل على طاولة التسويات الكبرى؛ وهي تنتظر أيّ حلحلة في الملفّ التفاوضي لتقطف نتيجتها في الساحة الدّاخليّة اللبنانيّة.

ومن المهمّ ملاحظة التقارب الذي حصل بين برّي وبكركي في هذه الأزمة، وهذا ما يطرح عدّة تساؤلات سنلمس مؤشّرات إجاباتها في القريب العاجل حتمًا. فهل يسعى برّي بتقاربه من بكركي للتحرّر من هيمنة حليفه حزب الله، كاسرًا تلك الثنائيّة السرمديّة؟ يبدو أنّ برّي في الحدّ الأدنى سيتمايز عن الحزب لا سيّما في مقاربته الحكوميّة من وجهة نظر وطنيّة محليّة، حيث يسعى لفكّ ارتباط الملفّ اللبناني بالملفّ الاقليمي. لذلك شدّد على أنّ الأزمة هي محليّة.

مع العلم أنّ موقف برّي بدا منسّقًا مع حليفه الذي يرى أنّ “مشكلة تأليف الحكومة اللبنانية هي مشكلة داخلية بحتة”. كما أوضح في خطابه البارحة، وأنّ هناك “طريقين لا ثالث لهما في تأليف الحكومة: إمّا اتفاق الرئيسين عون والحريري، وإمّا مساعدة الرئيس بري”. وفي الحالتين يبدو أن لا اتّفاق. فلا الرئيسين سيتّفقا، ولا يبدو أنّ مبادرة برّي ستلقى آذانًا صاغية على وقع تهديد نصرالله بحرب إقليميّة في حال المساس بالقدس، كما أصرّ في خطابه أيضًا على تمييز لبنان عن غزّة من حيث نوعيّة الردّ في حال حصول أيّ اعتداء إسرائيلي على لبنان.

أمام هذه الوقائع، وأمام ما رشح عن تحرير الأموال الايرانيّة من المصارف الأميركيّة، يبدو أنّنا أمام فرصة جدّيّة لتحرير الملفّ الحكومي في لبنان. لكنّ طمع الاستئثار بالسلطة من خلال الأثلاث المعطِّلة، بدعة حزب الله ومخلّفات اتّفاق الدّوحة 2008، قد تفجّر هذا الأمل المتواضع في استعادة الحياة السياسيّة. ولا يبدو أنّ الحريري في وارد تقديم أيّ تنازلات بعد خطابه الأخير في يوم مناقشة الرسالة الرئاسيّة الشهيرة، لأنّه يريد أن يثبت ذاته سياسيًّا لراعيه الاقليمي، أي المملكة العربيّة السعوديّة والتي لم يعد خافيًا على أحد أنّها غير راضية عن أدائه السياسي التسووي.

من هذا المنطلق، نعود لنؤكّد أنّ المشكلة ليست داخليّة ومحليّة كما يحاول أطراف الصراع الايحاء، بل هي محض ارتهانيّة؛ لقد بات جليًّا أنّ ارتهان حزب الله وفريق الرئيس عون لإيران هو حتميّ، فيما الحريري يسعى لتثبيت ذاته سياسيًّا في الاقليم، ما يعني أنّ أيّ بارقة ستنطفئ. من هنا، ضرورة تغيير هذه المنظومة التي واءمت بين الفساد والارتهان السياسيي، بمعنى آخر العمالة الملطّفة. والعمالة تبقى عمالة حتّى لو تمّ تلطيف صورتها تحت شعارات الأخوّة ووحدة المسار والمصير وغيرها.

لذلك كلّه، لا خلاص من دون المباركة الأمميّة والاشراف المباشر. لكن قبل ذلك كلّه على النّاس أن تقول كلمتها. ولا يأخذنّ أحد أنّ الاضراب العام اليوم الذي بدا الالتزام به هزيلا بعض الشيء، هو المعيار لرأي وصوت النّاس. فبنهاية المطاف لا يمكن إخفاء الارتهان السياسي لبعض مَن يقودون العمل النقابي الذين يعتبرون من ودائع النظام السياسي في الحركة النقابيّة. وهذا ما سيؤدّي حتمًا لفشل أيّ تحرّك تحت المظلّة النقابيّة. فالمطلوب التحرّك العفوي من النّاس، لكن يجب أن يكون منسّقًا بأقلّ تعديل ليؤتي بأيّ نتيجة وإلا سيتمّ إجهاضه كسابقاته.

والتمسّك بمطلب الانتخابات النيابيّة، إن مبكرة وإن في توقيتها، لا بدّ وسيحقّق هذا الهدف. وعندها فقط ستتحرّر الحكومة من المنظومة وسيأتي التغيير. إلا إذا صدر الأمر من الراعي الايراني لهذا الفريق الحاكم في لبنان على وقع التقادم والمكرمات التي قد تغدقها الولايات المتّحدة على إيران. ويبقى السؤال الإشكالي المطروح منذ أكثر من أربعين سنة: متى ستحرّر القرار السياسي اللبناني من الارتهانات الاقليميّة؟​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل