
في الحياة السياسية، الاختلاف حق مقدس يكفله الدستور ويحميه، لكن الدستور ذاته يعاقب التهديد والقتل والإجرام.
في لبنان، ديمقراطية بعض الأحزاب وحججه تمنعه من استعمال لغة التخاطب والتحاور، فتراه يتوعد بالقتل ويتفاخر بالإجرام، ممرغاً صورته السوداء في وحول أعمق، لإضافتها على تاريخها المريض. وبدل أن تتحرك الدولة لمنع لغة العنف، تراها تتلطى خلف إصبعها كأنها “لا من سمع ولا من يدري”، تخوض معارك لا طائل منها وتستعرض في ملفات قضائية، إن كانت تهدد أموال المودعين، إلا أنها بالتأكيد لا تطاول حياتهم.
لم يكن مشهد شارع الحمرا يوم الأحد الماضي طبيعياً، مجموعة من الشبيحة أرادت في احتفال لها، أن تتباهى بإجرامها على مرأى من اللبنانيين. الشارع الذي بدا خارج كنف الدولة، استكمل عزه الاستعراضي بالتباهي بقتل رئيس الجمهورية الشهيد بشير الجميل، وتهديد رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع بالمصير ذاته.
الحزب القومي السوري الاجتماعي لا يُلام على تعابيره، فهو لطالما اعتمد التصفية الجسدية في مواجهاته السياسية، وليس غريباً عن تاريخه وأدائه هذا السلوك، لأنه يعبر أصلاً عن مدرسة بعثية متخلفة، لا ترى في التخاطب السياسي الراقي مكاناً لها. لم يتمكن “القومي” الذي انتهى دوره في سوريا في 13 تشرين الأول 2019، بعدما أصدرت محكمة الاستئناف المدنية الأولى في دمشق، حكماً قضائياً بحله، من تحمل صفعة تجريمه اغتيال الرئيس بشير الجميّل في تشرين الأول من العام 2017، وحاول أن يعبّر عن معنوياته المنهارة، بتهديدات لا تشبه الا تاريخه، علّه يحجز مكاناً ولو صغيراً في زاوية صورة الحياة السياسية اللبنانية بعدما انتفى دوره العربي، وسهى عن باله أن عدالة بشير التي انتظرت 35 عاماً، لن تيأس من تطبيق القانون عليه، ولو طال الزمن.
القوات اللبنانية أعدت العدة للادعاء على “القومي”، اليوم الأربعاء، بوجه كل مَن خطّط ونفّذ وشارك في احتفال الحزب في الحمرا، مطلقة حملة لحلّه، بعدما بات يتعرض لشريحة واسعة من اللبنانيين الذين يختلفون معه سياسياً، مهدداً السلم الأهلي.
الخبير الدستوري والقانوني الدكتور سعيد مالك، يعود الى المرسوم الاشتراعي 83/153 الصادر في عهد الرئيس الأسبق أمين الجميّل، بما يخص الجمعيات، ويشير الى أن المادة 16 منه تنص صراحة على حلّ أي حزب سياسي، في حال خالف نظامه الداخلي، والقوانين المرعية الإجراء وهدد الأمن والنظام وجعلهما عرضة للخطر المحدق.
يشرح، في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن آلية الحل تكون بانطلاقة مشروع مرسوم من قبل وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال محمد فهمي، يقترح فيه الحلّ على مجلس الوزراء، الذي عليه أن يبت بهذا الأمر سلباً أم إيجاباً، لافتاً الى أن المادة 17 من القانون نفسه، نصت على إمكانية اتخاذ مجلس الوزراء قراراً بوقف نشاطات حزب معين، بحال تبيّن ارتكابه أفعالاً مخالفة للقانون وتعريض الأمن القومي والنظام والسلامة العامة، تماماً كما حصل الأحد في الحمرا، لمدة لا تتجاوز العام، بحال لم يكن راغباً بالذهاب نحو قرار حل الحزب.
يلفت الى أن تصرفات وتجاوزات الأحد الماضي في الحمرا خلقت أجواء سلبية وهددت الأمن القومي، معتبراً أن الأهازيج التي تتبنى اغتيال رئيس الجمهورية، والتهديد الصريح والعلني لجعجع بالقتل والعمل على أن يكون مصيره كمصير بشير، تهديد وتشجيع لا لبس فيهما، على ثقافة القتل.
يرى أن الشرط اللازم لحل “القومي”، هي في مخالفة المواد المنصوص عليها في قانون العقوبات اللبناني، ومخالفة النظام والقانون والذهاب نحو التعرض للأمن والسلامة العامة والسلم الأهلي، مشدداً على أن مصير هذا الحزب، لا يمكنه أن يوفر دور القضاء والأجهزة القضائية والعسكرية، إذ من واجبات النيابة العامة التمييزية، عملاً بأصول المحاكمات الجزائية، التحرك مباشرة وتلقائياً ومن دون إخبار، للإعداء على كل فاعل أو شريك أو محرض، وإحالته أمام المراجع القضائية المختصة، لاستجوابه وتوقيفه واحالته الى المحكمة لإنزال اقصى العقوبات بحقه.
يوضح مالك أن القوات اللبنانية ستقدم دعوى بحق الفاعلين والمتدخلين والمشاركين والمحرضين، لما جرى في شارع الحمرا، على أن تأخذ هذه الدعوى مسارها الطبيعي ضمن إطار النيابة العامة التمييزية، وصولاً الى مبتغاها، لكن السؤال المطروح، هل ستسمح الظروف السياسية الحالية بإجراء التوقيفات والمحاسبة والحلّ؟
يشدد على أن الدعوة للقتل تقع ضمن الجناية ومدة مرور الزمن عليها تبقى 10 سنوات، موضحاً أنه في حال لم يبت بشكوى “القوات”، في المرحلة الحالية ومع هذه السلطة السياسية، تبقى الدعوى قائمة في إطار الملفات المتراكمة والمفتوحة التي يجب متابعتها، حين تسمح الظروف بذلك.
