
تُطلق الأخبار المتناقلة عن نفاد تمويل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، واحتمال توقف أعمالها، أو تأثُّرها إلى حدٍّ كبير، جرس إنذار مبكر، يثير قلق اللبنانيين عامةً، الرازحين تحت عبء الأزمات والنكبات والمصائب الحالّة عليهم، وخوفهم من ضياع الأمل بإقامة دولة العدالة والقانون وعدم الإفلات من العقاب، وإرساء السلام المجتمعي في لبنان على أساس معاقبة المجرمين والمرتكبين، في مختلف المجالات.
وغنيٌّ عن القول، ما تحرّكه المخاوف من وقف أعمال المحكمة الدولية، من شعور بالإحباط والانكسار لدى المستهدفين والمصابين وضحايا الاعتداءات المحالة أمام المحكمة. بل إن الأمر يطاول سائر ضحايا الهجومات والاعتداءات والاغتيالات ومحاولات الاغتيال، التي تعرَّضت لها شخصيات سياسية وإعلامية، منذ العام 2005، وذهب ضحيتها مئات القتلى والجرحى الذين صودف وجودهم في المكان، حتى وإن لم تتم إحالتها جميعها على المحكمة الدولية. وذلك على خلفية الانطباع شبه العام بأن مسلسل الإجرام الذي ضرب لبنان منذ ذلك التاريخ، تقف خلفه جهات إمّا واحدة أو تنتمي إلى محور واحد.
ولا شك أن ضحايا الاعتداءات وذويهم هم أكثر المجروحين، في حال توقفت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان عن العمل. لكن الأمر يتعدَّى الضحايا بحدِّ ذاتهم، إلى أبعاد أخطر، إذ يمسّ مفهوم العدالة من أساسه، كقيمة تأسيسية تكوينية في إرساء أسس السلام بين الدول والشعوب، وبما يطاول مستقبل الأجيال أينما كان. إذ لا يمكن تصوُّر أي سلام عالمي ثابت وراسخ قائم على مبادئ التسامح والتواصل والتلاقي والتعاون بين الشعوب، بما يسمح بتنمية القدرات البشرية على مستوى العالم، من دون إقامة نظام العدالة ومحاسبة المجرمين وعدم إعطاء أي انطباع بإمكان الإفلات من العقاب، وإلا على الدنيا السلام.
وعمّا يتم تناقله عن نفاد تمويل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، تكشف المتحدثة الرسمية باسم المحكمة، وجد رمضان، لموقع القوات اللبنانية الإلكتروني، حقيقة التقارير التي تتناول هذه المسألة. وتشير، إلى أن “تمويل موازنة المحكمة يعتمد على مساهمات طوعية من الدول المانحة بنسبة 51%، فيما لبنان ملزم بالمساهمة بنسبة 49% من إجمالي الموازنة”.
وتلفت، إلى أنه “منذ العام الماضي وحتى اليوم، هناك تحديات كبيرة تواجه لبنان، كما العالم أجمع، على خلفية الظروف الناتجة عن وباء كورونا والانعكاسات على الاقتصاد العالمي وتأثُّر اقتصاديات الدول. لكن على الرغم من كل التحديات، استمرت المحكمة بتكثيف جهودها لتأمين تمويل أعمالها. وتحسُّباً لأي نقص بالتمويل، تلقَّت المحكمة دعماً على شكل قرض من الأمم المتحدة في مطلع العام 2021، بمساعٍ حثيثة بذلها الأمين العام أنطونيو غوتيريش، إنما كان القرض أقل مما طلبته. فالمحكمة طلبت 25 مليون دولار لكنها تلقَّت 15 مليون دولار فقط”.
وتوضح، أن “موازنة المحكمة للعام 2021 تبلغ أكثر بقليل من 34 مليون يورو، ما يعني أن مساهمة لبنان الملزمة بنسبة 49% هي نحو 17 مليون يورو تقريباً”، كاشفة عن أن “المحكمة تواصل جهودها وحملات الـfundraising وجمع الأموال اللازمة لتغطية مصاريف موازنة العام الحالي”.
وعن تأثُّر أعمال المحكمة بهذا الواقع، تشير رمضان، إلى أن “الوضع المالي للمحكمة صعب ومقلق جداً، وعلينا أن نكون واقعيين، لكن الجهود والمساعي متواصلة لاستمرار تأمين التمويل اللازم”، لافتة إلى أن “المحكمة تتحسَّب لأي سيناريو، لأنه في حال عدم توفُّر الأموال الكافية للعام الحالي، سيكون لذلك تأثيره طبعاً على سير الإجراءات والقضايا والملفات الموجودة أمامها اليوم”.
وتضيف، “القضية الأولى، قضية 14 شباط 2005 (عيّاش وآخرين) وهي حالياً في مرحلة الاستئناف. والثانية، (قضية عيّاش) المتعلقة باعتداءات ثلاث رأت المحكمة أنها متّصلة باعتداء 14 شباط، وهي الاعتداء ضد كل من السادة مروان حمادة، وجورج حاوي، والياس المر”، مشيرة إلى أنه “من المقرَّر السير ببدء المحاكمة في 16 حزيران المقبل، التاريخ الذي حدَّده مبدئياً قاضي الإجراءات التمهيدية، على أن تعطي غرفة الدرجة الأولى تأكيدها على الموضوع أو لا”.
وتتحفظ رمضان في الحديث “عن مصير مختلف الإجراءات القضائية لأنها تحتاج إلى قرار قضائي من القضاة، فالمحكمة مؤسسة مستقلة، ولا يمكن الكلام حول الموضوع أكثر”، موضحة أن “موعد المحاكمة في القضية الثانية لا يزال على حاله، حتى الآن، وفي حال أي تغيير بالموعد، يجب أن يكون ذلك بقرار من القضاة، ومن البديهي أن يصدر قبل 16 حزيران المقبل ويتم الإعلان عنه”.
