
بوقاحة لا توصف، استسهلت سلطة لبنان الحلول بمحاولاتها الضغط للمس بالاحتياطي الإلزامي، بعدما امتنعت عن إيجاد الخطط الاقتصادية الناجعة أو اتخاذ أي قرار بمنع تهريب المواد المدعومة إلى سوريا لتغذية اقتصادها من أموال اللبنانيين، فوجد رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع نفسه رافعاً لواء معركة المحافظة على أموال الناس، داعياً إياهم إلى حجز احتياطي على الاحتياطي الإلزامي العائد للمصارف في مصرف لبنان.
سياسة الدعم الفاشلة التي اعتمدتها السلطة السياسية كلّفت لبنان حوالي 6 مليارات دولار في عام واحد، لم نعلم كيف صرفت مقابل الدعم المسروق. عانى اللبنانيون خلال الأشهر الماضية من نقص في المواد الغذائية المدعومة وتقاتل عليها، كما دقتّ المستشفيات والصيدليات ناقوس خطر فقدان المستلزمات الطبية والأدوية، والتهديد بالعتمة مقابل الدفع من أموال الناس، من دون إغفال أزمة المحروقات المتجددة يومياً، بفعل نقص المادة أو عدم صرف الاعتمادات لها. كل ذلك، والصهاريج “تكزدر وتتغندر” على الحدود الشرقية، على أعين الدولة ومؤسساتها الرسمية وأجهزتها القضائية والأمنية، من دون أن يبادر أحد الى وضع حد لهذه المهزلة. الأسوأ أن التهريب لم يقتصر على سوريا، وكم من مرة وصلت صور الأدوية والمواد الغذائية “المهربة” المدعومة من دول أفريقية وأوروبية؟
إذاً، المحافظة على الاحتياطي الإلزامي بات واجباً وطنياً، تحرّك باتجاهه جعجع بشد عزيمة المودعين “للإسراع في التقدم بطلبات حجز احتياطي على الاحتياطي الإلزامي العائد للمصارف في مصرف لبنان، منعاً للسلطة التي تكشِّر عن أنيابها من ابتلاع الاحتياطي في بواليع فسادها وفشلها وسرقتها الأموال العامة وتهديد المواطنين بصحتهم من أجل سلبهم آخر القروش المتبقية لهم، واصفاً إياها بالسلطة الوقحة والفاجرة والسارقة إلى أبعد الحدود، لأنه من الجريمة وضع المواطنين باستمرار امام الأسوأ والأسوأ، وتخييرهم بين العتمة والمرض والموت وإلا سرقة أموالهم”.
وفي هذا السياق، يرى الخبير الدستوري والقانوني الدكتور سعيد مالك، أن موقف الدكتور جعجع من الحجز الاحتياطي على الاحتياطي الإلزامي، ينم عن اهتمامه الشخصي بأموال المودعين وحقوقهم التي ضاعت في المصارف، مشيراً الى أنه صدر قرار منذ وقت قريب عن دائرة التنفيذ في بيروت عن القاضية مريانا عناني قضى بالترخيص لمودع طلب الحجز الاحتياطي على حصة بنك الموارد، في الاحتياطي الإلزامي في مصرف لبنان، ضمانةً لدينه ووديعته، لكن هذا القرار لا يزال يتيماً وهو موضع استئناف امام محكمة الاستئناف الناظرة بقضايا التنفيذ، ومن خلال هذا القرار يمكننا التيقن حول اتجاه البوصلة.
يوضح، في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن قرار دائرة التنفيذ في بيروت، اتُخذ استناداً الى نص المادة 866 من قانون الأصول المدنية، الذي ارتكز عليها جعجع في الدعوة التي وجهها الى المودعين.
أما عن آلية حجز المودعين للاحتياطي على الاحتياطي الإلزامي في المركزي، تتم عبر ثلاث طرق.
الطريقة الأولى، بحسب مالك، تتم من خلال دعوى يقدمها المودع بوجه المصرف المعني، بعد ذلك، يتقدم المودع أيضاً بطلب حجز احتياطي الى دائرة التنفيذ المعنية، للترخيص له بإلقاء الحجز الاحتياطي على الاحتياطي الإلزامي العائد للمصرف المُدعى عليه، في مصرف لبنان، ضماناً لدينه، والذي يُمكن أن يُحكم له به، نتيجة الحكم أمام محكمة الأساس.
الطريقة الثانية تتمثل بتقدم المودع بطلب الحجز الاحتياطي، لكن عليه فور صدور القرار، وخلال مهلة 5 أيام فقط، أن يتقدم بدعوى في محكمة الأساس للمطالبة بحقوقه، لأن المادة 870 تنص على أنه “بحال لم تقدم الدعوى خلال 5 أيام، يسقط الحجز الاحتياطي”، وفق مالك، الذي يلفت الى أن الطريقة الثالثة تعتمد على ان يتقدم المودع بطلب حجز احتياطي، على أن يتقدم أيضاً خلال 5 أيام، بطلب تنفيذ للحسابات إذا كانت لديه كشوفات حسابات.
يشدد على أن هذه التفاصيل بآلية إقدام المودعين على حجز احتياطي على الاحتياطي، تؤكد أن الأساس يبقى بأن حقوق المودعين ضاعت، وأن البحث يتم عن السبيل من أجل المحافظة على ما تبقى لهم في مصرف لبنان.
ويلفت الى أن المودع سيتكبد كلفة إقامة الدعوى إن كنفقات او أعباء وإن كأتعاب محام، أما الحجز الاحتياطي، فهو مرتبط بقيمة الوديعة الموجودة في المصرف، وهناك رسم مقطوع يُدفع فور تقديم الطلب، كما أن هناك رسماً نسبياً مقداره 4 بالألف بعد صدور القرار، على أن يذهب خمس المبلغ كتعاضد للقضاة. يضيف، “صحيح أن هناك مصاريف محاكمة ورسوم دعاوى وحجوزات، لكن حتى لو تكبد المواطن بعض المصاريف، فالأجدى به المحافظة على ما تبقى من حقوقه السائبة والضائعة”.
لكن هل يحق للدولة أن تمسّ بالاحتياطي الإلزامي؟
يذكّر مالك بأن هناك اقتراح قانون تقدم به تكتل الجمهورية القوية لمنع التعرض او المس بالاحتياطي الإلزامي الا بموجب قانون. لكن هذا الاقتراح لا يزال حتى اليوم في ادراج مجلس النواب، موضحاً أن تحديد ما يسمى بالاحتياطي الإلزامي يقع ضمن صلاحيات المجلس المركزي في مصرف لبنان، وذهاب “المركزي” بهذا الاتجاه، يعني مخالفته أحكام الدستور ومقدمته التي تنص على الاقتصاد الحر وحماية الملكية الفردية، مضيفاً، “لا شيء يمنع حاكم مصرف لبنان من مدّ يده الى الاحتياطي، لكنه بذلك يتعرض لملكية الغير ويتصرف بماله، مخالفاً الدستور”.
