مجاعة الحرب الكبرى… ظاهرة “عثمانية” تتكرر

كتب أنطوان مراد في “المسيرة” – العدد 1717

 

ثمة فارق كبير في بعض الوجوه بين حالة المجاعة التي قضت على نحو ثلث اللبنانيين في الحرب العالمية الأولى وهددت حياة معظم اللبنانيين الباقين ممن لم يتمكنوا من الهجرة، وبين حالة الإقتراب من الجوع التي بلغتها شريحة كبيرة من اللبنانيين وتهدد شرائح أخرى. والفارق ليس في ماهية المجاعة أو الجوع، بل في ماهية المسببين والأسباب، إذ سرعان ما نكتشف أن الأسباب اليوم مهينة أكثر ومخزية أكثر ومبرراتها أضعف بدرجات.

 

من دفع بأهل لبنان وتحديدا متصرفية جبل لبنان في مطلع القرن العشرين إلى المجاعة، تمثل في الأساس بجهات خارجية أولها سلطات الإحتلال التركي بالتعاون مع الألمان، وثانيها الحصار الذي خضع له جبل لبنان من قبل دول الحلفاء الأوروبيين الذين كانوا يخوضون الحرب مع ألمانيا وحليفتها تركيا، فضلا عن أسباب أخرى.

أما ما وصلنا إليه اليوم عند حافة الجوع، وربما إلى واقع «إدارة الجوع»، فهو نتيجة الرهان المحلي على محور الممانعة والخضوع لأجندته في موازاة الأداء المريع لأهل السلطة الغارقين في ظل «العهد القوي» في الفساد وارتكاب الفظائع معطوفة على استهتار لا سابق له.

وبالعودة في الزمن، هل ثمة ما هو أشد تعبيرًا من كلام البطريرك الياس الحويك الذي ترأس الوفد اللبناني الثاني إلى مؤتمر الصلح في باريس عندما قال صراحة: لقد فرضت السلطات العسكرية والمدنية التركية بالتعاون مع السلطات الألمانية ذلك التجويع الرهيب للبنان والذي أفنى أكثر من ثلث سكان هذا البلد، في أسلوب إبادة لا مثيل له في التاريخ.

ولعل في كلام جمال باشا «السفاح» جانبًا آخر من الحقيقة ولو لم يكن في أهمية العامل الأول، عندما قال: إن الصحف الفرنسية تمادت في حملة لتحقير الأتراك، ناسبة إليهم ترك سكان «سوريا» ولا سيما اللبنانيين يموتون جوعًا. هل أنا من أرسل الجراد العام الماضي؟ هل أنا من فرض الحصار وصادر الظروف الآتية من الولايات المتحدة الأميركية؟

لقد وجد البطريرك الحويك في حينه أنه «لا بد من التعويض عن المجاعة الكبرى، وما رافقها من محاولة إبادة منهجية، من خلال إعادة لبنان إلى حدوده الجغرافية التاريخية، كي يتمكن من توفير إنتاج زراعي كافٍ لسكانه لا سيما من القمح».

ويقول في هذا السياق الخوري أسطفان ابراهيم الخوري في كتابه «مجاعة أهالي جبل لبنان خلال الحرب الكونية الأولى» من منشورات المركز الماروني للتوثيق والأبحاث، إن موقف البطريرك الحويك من المجاعة يشكل في تاريخه موقفاً لبنانياً رسمياً اتُخذ باسم اللبنانيين، وهو موقف قبِله وكرره من بعده عدد كبير من اللبنانيين وغير اللبنانيين، وقد كان لأوهانس باشا قيومجيان المتصرف المسيحي الأخير على جبل لبنان (1913-1915) كلام في مذكراته يؤكد أن المجاعة كانت مدبّرة لإبادة سكان جبل لبنان.

وفي كتاب الأب خوري الكثير من الوقائع المماثلة. ففي 21 أيار 1916 أرسل أمير البحر الفرنسي Jaure GIBERRY تلغرافاً إلى باريس خلاصته: إن أنور باشا أحد أركان الثلاثي الذي سيطر على تركيا خلال الحرب الكبرى قال: لا سلامة لتركيا إلا بتطهيرها، فقد أفنينا الأرمن بحد السيف، وسنميت اللبنانيين جوعًا. ويضيف القائد الفرنسي: لقد بلغ عدد الذين ماتوا من المجاعة حتى الآن في لبنان ثمانين ألفاً، والنساء أكلن أولادهن.

وفي الفترة ذاتها أرسل الملحق العسكري الفرنسي في القاهرة ما مفاده: إن جمال باشا الذي يفرض نفسه بالرعب يصرّح بمشاعر عدائية لفرنساعلى نحو عنيف وينقل قولاً منسوباً له: بعدما أعدمتُ أعيان لبنان، أو سجنتهم، تجوّع الحكومة السكان بشكل منهجي. ويضيف الملحق الفرنسي: وقيل إن أنور باشا أعلن جهارًا أن الأمبراطورية العثمانية لن تستعيد حريتها وكرامتها إلا عندما تكون قد تخلّصت من الأرمن واللبنانيين.

على أن جمال باشا الحاكم العرفي للبنان إستشاط غيظا نتيجة الحملة الصحافية الفرنسية عليه وعلى السلطات الفرنسية بتهمة محاولة إبادة المسيحيين في لبنان من خلال المجاعة، وسعى إلى نسب بعض الممارسات الخاطئة لبعض الأفراد، فضلا عن تركيزه على تفتيش السفن الآتية إلى لبنان من أميركا وعليها مال المهاجرين اللبنانيين لأهلهم.

وفي الواقع لقد كان الجراد أحد أسباب المجاعة أو ساهم في تفاقمها، لكن المجاعة في الواقع بدأت فعليًا قبل وصول الجراد واستمرت بعد رحيله، أي بين ربيع 1915 وبداية 1916، علمًا أن المجاعة بدأت في مطلع 1915 واستمرت حتى تشرين الأول 1918.

وكم من الوقائع التاريخية ينبغي استعادتها أو تُستعاد اليوم بما هو أسوأ على صعيد المسؤولية الوطنية والأخلاقية، إنطلاقاً من أن معاناة اللبنايين اليوم هي بسبب مسؤولين وقوى سياسية لبنانية إختارت الفساد والإرتهان للخارج، الأمر الذي يُصدِق القائل: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة…

في زمن الحرب الكبرى كان الإستيراد منقطعًا عمليًا والحنطة محتكَرة، والسكك الحديد بيد العسكر، وولاة المناطق المحيطة بلبنان منعوا عنه القمح، وعمد جمال باشا إلى تقنين قاس في توزيعه. ويقول الأب ابراهيم حرفوش: «في آب 1916 غلاء فاحش، ندرة وجود القمح، وتفشٍ للأوبئة والحمّيات».

وهل أدلّ على المجاعة مما كتبه السكرتير العام لوزارة الخارجية الفرنسية نقلا عن الجنرال ترابو: إن المجاعة تسيطر على جبل لبنان، حتى إن الأتراك أرادوا تعبيد طريق بين بعلبك ومقلع الفحم الحجري في قرطبا، فسخّروا يداً عاملة لبنانية، ولكن اقتضى الأمر منهم إطعام العمال لمدة يومين قبل المباشرة بأي عمل.

والحصار البري كان بقرار مركزي من السلطات العثمانية كأحد بنود النفير العام وقضى بمصادرة القمح ومنع استيراده إلى لبنان ثم إلى السلطنة من الولايات المتحدة الأميركية.

وكان المتصرف أوهانس باشا صاحب ضمير حي، فراسل والي بيروت وأرسل تليغرافاً إلى الصدر الأعظم في الآستانة حليم باشا يشكو فيه المجاعة والظلم اللاحق بسكان لبنان، وكرر شكواه في رسالة ثانية إلى الصدر الأعظم.

أما الإحتكار والفساد فحدِّث ولا حرج. فقد سعى جمال باشا إلى الإستحصال على شهادات خطية من أعيان لبنانيين وعلى رأسهم البطريرك الماروني بالتهويل والإبتزاز لتبرئته من تهمة تجويع اللبنانيين، علمًا أن بعض المنتفعين المحليين حقق بالتواطؤ مع جمال باشا ومعاونيه أرباحًا طائلة من الإحتكار عبر عقود رسمية، فكان يتم بيع كمية صغيرة من القمح إلى العامة، والكمية العظمى كانت تُباع إلى التجار بأسعار مرتفعة جدًا.

ولذلك من الطبيعي أن يبلغ التضخم أوجه، ليرتفع سعر رطل الحنطة من بضعة غروش إلى إثني عشر غرشا إلى أن بلغ مئة وعشرة غروش وصولاً إلى ما يزيد عن مئة وخمسين غرشاً.

ومن مفاعيل الحصار البري منع تصدير الحرير الذي كان من أبرز موارد الرزق في جبل لبنان، وترافق ذلك كله مع إنتشار الأوبئة ولا سيما حمى اليفوس التي قضت على كثيرين، في موازاة إنقطاع الأدوية من الصيدليات. وما أشبه الأمس باليوم.

ويقول المطران بطرس شبلي راعي أبرشية بيروت المارونية في رسالة لأحد الكهنة في روما واصفا أحوال اللبنانيين: الوضع في جبل لبنان بالويل نتيجة المعاملة السيئة للأهالي من الحكام،، فقد سلبوهم كل ما طالت يدهم وجعلوهم في حالة بؤس عظيم. الأشغال واقفة، المعاملات لا وجود لها، النقدية نادرة، نقل لوازم المعيشة ممنوع أو صعب من الخارج، فضلاً عن الغلاء الفاحش واضطراب الأفكار.

ما أسلفنا ليس لمجرد المقارنة فحسب، والمقارنة تصح في جوانب عدة بحالتنا اليوم، ولكن للتأكيد أن تبعات أوضاعنا الراهنة تقع على عاتق من يتولى زمام السلطة اليوم ومن يدعمهم على قاعدة تبادل المصالح والتغطيات، فضلاً عن ضرورة التنبّه إلى أن لبنان كان وما زال يدفع ثمن الصراعات الدولية والإقليمية، إذ لم لم يكن أي من الدول المعنية بلبنان بريء بنسبة أو بأخرى من «دم الصدّيق اللبناني»، فالمسؤولية الكبرى تقع حتمًا على السلطات التركية، ولكن حتى فرنسا المتعاطفة أخطأت أيضًا وكان جزء من همها مواجهة الألمان حلفاء الأتراك الذين كانوا ينتشرون عسكريًا بكثافة في مناطق عدة ولا سيما في البقاع.

وفي الخلاصة، لا يمكن للبنان أن يخلص وأن يمنع تكرار التجارب المريرة إلا بإرادة وطنية لبنانية صرف تعتمد الإستقلال التام أو الحياد وعدم التورط في أي محور، فضلاً عن تحديث الدولة وصولاً الى واقع يؤمّن الإستقرار المستدام والتنوّع الذي يميّز لبنان في إطار الحرية والعدالة وحقوق الإنسان أفرادًا ومجموعات.

 

انطوان مراد – مستشار رئيس حزب «القوات اللبنانية» لشؤون الرئاسة

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل