
يُروى أن زوجًا وزوجته ضاقت بهما الأحوال، وكانا يُقيمان في غرفة واحدة، وكانا يتذمران من بعضهما البعض. ذهبا إلى شيخ صلح ليجد حلًا لمشكلتهما، نصحهما شيخ الصلح بأن يقتنيا كلبًا. عادا إلى الشيخ في اليوم التالي وقالا له: حضرة الشيخ استفحلت المشكلة، لم نستطع النوم بسبب نباح الكلب. نصحهما باقتناء هرّ مع الكلب، لكن المشكلة تفاقمت بين صوتَي الكلب والهرة، عادا إلى الشيخ فقال لهما: إذًا عليكما باقتناء بقرة .
بعد تنفيذ النصيحة عادا إليه بصوت واحد: لم نعد نتحمل بين نباح الكلب وصوت الهرة ورائحة البقرة، هل من حل ؟ قال لهما: عليكما بالتخلص من الكلب. تخلصا من الكلب وعادا إليه، فسألهما : كيف مرت الأمور أمس، فأجابا: أفضل بقليل. قال لهما: تخلصا من الهرة. عادا إليه في اليوم التالي فسألهما: وامس كيف كانت الأمور؟ قالا: افضل مع التخلص من الهرة. عادا إليه، فسألهما: وأمس كيف كان الوضع، أجابا: افضل، قال لهما: إذًا تخلصا من البقرة .
فعلا ما قاله الشيخ وعادا إليه فسألهما : كيف أصبح الوضع بعد التخلص من البقرة ، قالا: لا نعرف كيف نشكرك حضرة الشيخ، أمس استطعنا النوم من دون أي إزعاج: لا نباح كلب ولا صوت هرّة ولا رائحة البقرة.
ماذا فعل الشيخ ؟
كبَّر المشكلة ثم أعادها إلى حجمها ، فتوهَّم الزوجان أنها حُلَّت.
ما أشبه ما حصل أمس واليوم بالنسبة إلى سعر الدولار، بما حصل مع الزوج والزوجة وشيخ الصلح .
شكا ثلاثة محامين أمام مجلس شورى الدولة ، المحسوب رئيسه على رئيس الجمهورية، على حاكم مصرف لبنان، على خلفية التعميم الذي يتيح للمصارف صرف الدولار للمودعين على 3900 ليرة .
علَّق مجلس شورى الدولة العمل بالتعميم . تلقفها الحاكم على أنها “رميةٌ من غير رامٍ ” فطلب من المصارف وقف العمل بتعميم الدولار على أساس 3900 ليرة . تلقفت المصارف قرار الحاكم فعادت إلى الدولار على السعر الرسمي أي 1500 ليرة.
مودِعون راجعوا بالأمر فجاءهم الجواب: إشتروا الدولار من “منصَّة” مجلس شورى الدولة.
إلتهب الشارع وعاش البلد ليلة أشبه بليلة 17 تشرين الأول 2019 إثر ضريبة الـ”واتس آب”.
استشعر اصحاب القرار أنهم وقعوا في كمين حساباتهم الخاطئة، أو حسابات المستشارين غير المحسوبة العواقب، فدعوا إلى اجتماع عاجل غير قانوني جلَس فيه الخصم والحَكَم ، حاكم مصرف لبنان ورئيس مجلس شورى الدولة جنبًا إلى جنب، وجلس في مقابلهما وزير العدل السابق، عضو المجلس الدستوري السابق، المستشار القانوني الحالي لرئيس الجمهورية، الدكتور سليم جريصاتي، وصدرت إثره الهرطقة التالية:
“بنتيجة الاجتماع المالي القضائي في بعبدا تقرّر اعتبار التعميم 151 الصادر عن مصرف لبنان ما زال ساري المفعول بما ان مصرف لبنان لم يتبلغ صورة صالحة للتنفيذ عن القرار الإعدادي لمجلس شورى الدولة بوقف تنفيذه وتقدم بمراجعة لدى المجلس المذكور تضمنت عناصر إضافية جديدة لم تكن واردة في الملف”.
ملاحظات في العمق وعلى الهامش:
كيف لم يتبلغ مصرف لبنان “صورة صالحة للتنفيذ عن القرار الإعدادي لمجلس شورى الدولة “؟ ألم يَطلب من المصارف أمس وقف العمل بالتعميم بعد قرار مجلس شورى الدولة، فكيف يكون لم يتبلَّغ؟ على العكس من ذلك، تبلَّغه والتزم مضمونه وأبلغ إلى المصارف ضرورة التقيد به.
كيف يجلس الحكَم والخصم جنبًا إلى جنب، من دون الخصم الآخر، يتبادلان الآراء والأفكار بخصوص ملف قضائي عالق لدى الحَكَم وذلك بغياب الخصم الآخر، حتى ولو كان ذلك في حضور “القاضي الأول” وكأنهم في مصالحة على طريقة “شيخ الصلح”؟
لو لم يشتعل الشارع أمس، هل كان الإجتماع لينعقد اليوم وليُطلَب من مجلس شورى الدولة العودة عن قراره؟
هَزُلَت !