أين كنت… أين أصبحت؟

كتب ريشار قيومجيان في “المسيرة” – العدد 1717

سأكتب عن البدايات والبدايات فقط. فمقال واحد لن يتسع لما تختزنه ذاكرتي من أحداث وتجارب، علماً أن حاضري معلوم ووحدها مشيئة الله تتحكّم بالآتي مما أعدّه لي.

أين كنت وكيف بدأت؟

الحقيقة أنه لم تكن هناك من بداية أو شرارة إنطلاق لمسيرتي النضالية بل بحكم القدر، رأيت نفسي ومنذ صغري ملتزماً بمسار، بقضية، بحلم وطن. رمتني الحياة في محطات ومحطات، في مشاهد دموع وابتسامات، في مواجهة نجاحات وإخفاقات، آمال وخيبات.

كان أبي تلميذ «حكمة» ولاعب كرة قدم في فريق المدرسة وبعدها صار كتائبياً حازماً يتقاسم و»الشيخ بيار» قناعة مفادها أن الشيوعية الدولية هي سبب كل المصائب والحروب على وجه الأرض، وأن المسلمين «أخوتنا وأصحابنا» ومهما اختلفنا معهم ففي النهاية لبنان محكوم بصيغة التعايش؛ وبالإضافة الى بعض ملامح الوجه والطول كان أبي يشبه كثيراً الشيخ بيار بسلوكه «اليسوعي» وبميزة الصرامة والجديّة والإنضباط والأخلاق.

في هذا الجو، كبرت وترعرعت على قصص إستقلال 1943 وتظاهرات يتقدمها إدمون الزعنّي (بطل لبنان في المصارعة) واشتباكات بالأيدي مع العسكر السنغالي في شوارع الصيفي والجميزة. معمودية دم لنيل الإستقلال! كانت ضرورية للشباب اللبناني ليشعر «إنو دفع ثمن دولة وكيان مستقل».

في المقابل، كنت أتحسس حزناً دفيناً وقلقاً على المستقبل والشكل الذي انتهت عليه الأمور مع «الفرنساويي» سيما وأن عمتي تزوجت «خطيفة» بضابط فرنسي. ثم ماذا لو كان إميل إده على حق؟ تساؤلات كثيرة كانت تمرّ في بال ذلك الجيل الفخور بالإستقلال، لكن أبي كان على قناعة «إنو اللعبة كلها كانت لعبة الإنكليز». والحقيقة أنه حافظ عليها طيلة حياته الى درجة أنه كان يستقي معلوماته السياسية من نَفَس ومضمون أخبار الإذاعة البريطانية BBC وتحليلاتها. وكم كانت مزعجة «القومة بكّير» الساعة السادسة صباحًا على وقع «هنااااا لندن» ودقّات ساعة Big Ben والصوت الخشن لذلك المذيع المتباطئ في القراءة، وترانزيستور صغير  يخشّ ويشوّش عليك أفكارك حتى قبل أن تصحو بعد ليلة قصف وسهر.

أتذكر ذلك بابتسامة كئيبة ودمعة حنين قاس لأني لم أتمكن من وداع أبي يوم رحيله عن هذه الدنيا بسبب النفي الطوعي الذي اخترته والمئات من القواتيين سبيلاً لتجنب التعذيب والقمع والإضطهاد بعد اعتقال الدكتور سمير جعجع في 21 نيسان 1994.

قصص ثورة 1958 كانت أيضاً حاضرة في البيت. معارك ساحة البرج وتأثير عبد الناصر وإنزال المارينز وكيف دافع كميل شمعون ببندقيته عن قصر القنطاري…

كان العام الدراسي على وشك الإنتهاء عندما بدأت التدريب العسكري وأنا في صف الخامس تكميلي. لم أكن أستسيغ تصنيفي العمري في خانة «الأشبال» فنمت على الضيم حوالي السنة أو سنتين لأشهد فيما بعد على بدء الحرب في 13 نيسان 1975 وباعتقادي أني على جهوزية شبه تامة… وكان سبقني الى أرض القتال منذ أوائل السبعينات شقيقاي، فتفلّت العمل الفدائي والسلاح الفلسطيني المكدّس في المخيمات وإقامتهم «دولة داخل الدولة» دفع الأحزاب اليمينية كالكتائب والأحرار الى التسلّح والإستعداد للدفاع عن الكيان وللآتي المجهول من أيام سوداء. في ذاكرتي، مشاركة أخي الأكبر في «الدفاع» عن الدكوانه عام 1974، واشتباكات أهالي الكحالة مع مواكب الفلسطينيين الإستفزازية منذ العام 1969 تاريخ توقيع اتفاق القاهرة.

إستهوتني البندقية كما كل مراهق. لربما أنها في لاوعيي اللعبة المبتغاة التي حُرِمت منها في صغري. لكنها لعبة خطرة على ما كان يردد أبي:

Vous jouez à la guerre mais c’est un jeu dangereux.

للمفارقة، وفي الفترة ذاتها، شيء ما كان يشدني الى عالم السياسة والفكر وقراءة الصحف وكتب العظماء. فبينما كان زملائي في المدرسة يمضون «فرصة الظهر» في لعب «البالون شاسور»، كنت أسرق لحظة غياب الناظر للخروج وشراء جريدة «العمل» بعد اقتطاع ربع ليرة من مصروفي اليومي لشرائها.

كانت الحياة السياسية اللبنانية في حينه تزخر بالعقائد والأفكار والأيديولوجيات اليسارية والعروبية، ومواجهة «اليمين الإنعزالي» لكنها لم تكن بالأمر السهل.

التظاهرة الأولى التي شاركت فيها، مع طلاب المدرسة طبعاً، كانت لدعم الجيش اللبناني عندما تصاعدت الإتهامات في حقه بعد اغتيال معروف سعد في شباط 1975. وفي الأسبوع الذي تلى 13 نيسان شهدت على أول عملية قطع طريق عام: أوتوستراد نهر الكلب.

أولى المحاضرات السياسية التي استمعت فيها عن القضية اللبنانية والوجود المسيحي كانت في حزيران من العام نفسه في مدرستي «المركزية» في جونيه وكان المحاضر «الأب» بولس نعمان الذي كان لي الحظ في التعرف إليه لاحقاً عندما أصبح «قدس الأباتي». أطال الله بعمر هذا الرجل العظيم المتواضع، هو الذي لبّى طلبي مرات عديدة لمّا كنت رئيساً لدائرة الجامعات الخاصة لإلقاء المحاضرات التاريخية أمام طلابنا وسرد الكثير عن أحداث له و»بشير»علاقة بها.

وعلى ذكر بشير، فإن لقائي الأول به كان في العام 1973 في منزل أحد رفاق أخي حبيب حبيب (الشيف حبيب) رحمه الله. إعتقلت قوى الأمن الطالب حبيب بعد إشكال مع القوميين في كلية العلوم لقنهم فيه حبيب درساً لن ينسوه طوال حياتهم… وتقول الخبرية أن حراس النظارة وعند وصول المحامي بشير الجميّل لإخراج حبيب من السجن واصطحابه الى المنزل، اكتشفوا أنه كتب بدمائه كلمة «لبنان» على أحد حيطان الغرفة فدمعت أعينهم وودعوا حبيب بفخر واعتزاز. تلك الليلة تسمّرت عيناني في وجه بشير، وزادت فرحتي عندما اقترب وسألني عن إسمي وبأي صف ومدرسة. طبعاً إلتقيت به لاحقاً مرات عديدة وأنا عنصر عادي، لكنك كنت تشعر معه أنك مهم وأساسي في أي موقع كنت. «كيفك ريشار». كان يكفيني أنه يتذكر إسمي في كل مرة ألتقيه، لأعود بمخزون وطنية وبذخيرة نضالية لا تزال حيّة فيّ ما حُييت.

«لن نعيش ذميين»، كتاب كان بمثابة مانيفستو كارل ماركس بالنسبة لجيلنا. مؤلفه أمين ناجي وهو الإسم المستعار للأستاذ أنطوان نجم الذي دأبت على اللحاق به من مركز حزبي الى آخر للإستماع الى محاضراته، رغم عناء «المشي بالشمس» وندرة «السرڤيسات».

تجربة القتال الفعلي للمرة الأولى، كانت في ربيع العام 1976 لفترة أسبوعين في الأسواق التجارية والتنقل بين متاريس بناية فتّال والريجنت أوتيل. بعدها كرّت السبحة على جبهات عديدة، من عيون السيمان الى الحدث.

كنت في الصف الأول ثانوي عندما اعتليت منبراً للمرة الأولى لإلقاء خطاب سياسي. كنت حينذاك مفوض الإعلام في الخلية التي كان أخي يرأسها. المنشورات والبيانات والtableau d’affichage، كلها كانت من وظيفتي. «الطالب اللبناني» كان إسم المنشورة الكبيرة التي كنا نضعها كل آخر شهر على إحدى لوحات الملصقات التي حجزها لنا الأب المدير. لم  يكن هناك من printer ولا internet ولا من يحزنون. كله «ع الإيد» ومن نتاج العقل وقصاصات الجرائد.

دخولي الى الجامعة فتح الباب واسعاً أمامي للإنخراط في مواقع نضالية جديدة، فتنقلت بين وحدات الإسعاف (كوني طالب طب أسنان) ومكتب التوجيه في الشعبة الخامسة، الى أن تم تعييني رئيساً لخلية الجامعة، فرئيساً لدائرة الجامعات الخاصة، فرئيساً لمصلحة الطلاب.

اللقاء الشخصي الأول مع الحكيم كان في المجلس الحربي بعد عودته من الجبل في كانون الأول 1983. كنت قد انخرطت في «ثورته» حتى قبل التعرف إليه من خلال الحديث عنه وعن مشروعه مع عفيف ملكون (رئيس مكتب التوجيه آنذاك) وصديقي الأقرب ألبير شديد. فأتى لقائي بسمير جعجع طبيعياً من دون مقدمات وشكليات وكأننا نعرف بعضنا من زمان وننتمي الى فريق واحد. الفرق بيننا كان أنه هو القائد وأنا واحد من طليعيي أو كادرات «ثورة التغيير» الآتية بل الإنتفاضة التي حصلت فعلياً في 12 آذار 1985 وغيّرت مجرى الأحداث في المنطقة الشرقية ولبنان رأساً على عقب.

العام 1987 تسلّمت مسؤولية التقديمات التربوية في مؤسسة التضامن الإجتماعي فبيت المستقبل وصولاً الى مرحلة النضال في الخارج وسنوات التحدي والثبات والأمل.

بعد 11 سنة من الغياب القسري عن لبنان عدت للمرة الاولى العام 2005 ثم في العام 2009 مرشحًا للانتخابات النيابية الى أن تم تعييني وزيراً للشؤون الاجتماعية العام 2019.

أصعب اللحظات في حياتك عندما تقف أمام جثة شهيد تعرفه ويعرفك. تبكي. تبكي كثيراً لكن بعد الهروب من ذاتك الموجوعة، تودّع الأم الثكلى والوالد الحزين، تلملم جراحك وتمضي الى حيث الأمل ببقاء مجتمع ونهضة وطن.

بعد كل هذه السنين، ما زلت أشعر أن هذا النضال يتملّك كياني، يحرك وجداني كل يوم، يحفزني على المتابعة من دون كلل أو ملل؛ شعور قد لا تتحسسه الأجيال الفتية لكنها بالتأكيد تفهم معناه وتقتنع به في انتظار أن تعيشه وتختبره.

 

ريشار قيومجيان – رئيس جهاز العلاقات الخارجية في القوات اللبنانية

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل