البطريرك نصرالله الأول… إبن الأرض عن حق

كتب أنطوان صفير – “المسيرة” – العدد 1717

أيار 2019 ـ أيار 2021

البطريرك نصرالله الأول… إبن الأرض عن حق

 

يا أكرم الراحلين الى سجلات الخلود.

أصعب الأحرف دوّنتها في يومٍ دامعٍ تحلَّق فيه أهل لبنان وقادة دول حولك يا مَن شكّلَ من على كرسيه البطريركي ضمانة وجودٍ لا تستكين، ورسالة حضور لا تنكفئ، وكلمات تعليم لا تملّ.

هو التاريخ الذي صنعت من جديد من دون أن تتصنّع.

يا سيّدنا الحبيب،

لم أقل وداعاً – وعيناك اللامعتان شاخصتان في ذاكرتي، وأجوبتك «المتزنة» راسخة في قلبي، وعفافك الشخصي والإنساني قابع فيَّ، وثباتك في قضايا الوطن… أمثولة سنتناقلها جيلاً بعد جيل.

يا أمير الكلمات الكاملة المعاني، عرفت كيف تقود مسيرة الـ75 من أسلافك العظام الى رحاب القرن الحادي والعشرين، فزاوجت مقتضيات التقدّم العلمي بروح قنوبين القداسة وحياة الزهد التي عاشها نسّاك هذا الوطن وصدّيقوه وأنت منهم، ولو في قلب الصخب السياسي والفكري.

منذ طفولتي وحتى اليوم ، كنت محط الأنظار ورمز العز العائلي والوطني، مطراناً مميزاً بسيرته وطلّته المنبريّة.

وبطريركاً أُعطيَ له مجد لبنان، فناضل دون كلل، وقاتل بسلاح الصلاة والكلمات وردّه مجداً لشعب لبنان وسيادة للبنان.

السواد لا يشبهك وأنت القائل: «والحقيقة ناصعة كالشمس ستعود مشرقة من جديد مهما حجبتها غيوم الكذب والنفاق».

يا رسول الحق ولا مواربة، وأنت القائل: «دولة الظُلم ساعة، ودولة الحق الى قيام الساعة».

يا مناضل الحرية ولا مغالاة، وأنت القائل: «تعشقنا الحريّة التي إذا عُدمناها عُدِمنا الحياة».

يا رافض العنف اللفظي والفعلي ولا مناقشة، وأنت القائل: «إنّ العنف لا يجرّ غير العنف ولا يحل أي مُشكلة».

يا صوت التعددية والتوازن ولا تخاذل، وأنت القائل: «إذ خُيّرنا بين العيش المشترك والحرية فسنختار الحريّة».

يا منادياً بالديموقراطية ولا تراجع، وأنت القائل: «تعني في الأساس السماح للشعب بإيصال مَن يختاره وليس من يختارونه له».

يا رائد الإستقلال الثاني ولا محاباة، وأنت القائل: «نريد استقلالاً بحكومة تنتقي أشخاصاً صالحين، لا زناة ولا سكّيرين ولا مقامرين ولا طمّاعين، نزهاء…».

يا معتقداً بأزلية لبنان ولا شكوك، وأنت القائل: «سيبقى لبنان بلد الحريةِ والديموقراطية والتعددية، ولا معنى للبنان دون هذه الصفات».

يا ابن الأرض… عن حق، وأنت القائل: «أرض الوطن، كالوطن، أمٌ يجب محبتها فقيرة كانت أم غنية».

أمّا بعد… فقد حان الفراق بيننا بعد سنوات وسنوات من الإكتناز من فكرك النيّر وقلبك القوي…

يا سيدنا، أنتَ نصرالله الأول الكبير،

رَسَمتَ مدرسة حياة جديدة في مسار التاريخ العابق… الذي سيكتب والقول قولٌ حق أن قبلك كان زمنٌ بطريركي وطني…  ومن بعدك ولو بعد حين من السنوات سيأتي من يحمل إسم نصرالله الثاني… تيمناً بك وتمثلاً بفضائلك وتطبّعاً بخصالك وترجمةً لمواقفك الشاخصة الى جيل الأجيال.

ولن أقول وداعاً… فأنت في قلبي وضميري.

 

قلت ما قلته….. ولو بعد مئة عام

سيدي البطريرك صفير الكبير

لمئة سنة خلت وفي مثل هذا اليوم، ولدت نصرالله مارون صفير طفلاً وادعاً،

وربيت متقد الذكاء في بلدتنا ريفون الكسروانية الحبيبة، وذلك قبيل ولادة لبنان الكبير.

قبل عامين، غاب وجهك الكبير مار نصرالله، حاملاً إرث المئة عام لا بل إرث أكثر 1300 عام، بعدما أطليت على قيام لبنان الكبير، وعاصرت الجمهورية المستقلة والمُتعبة، وحروب الآخرين على أرضنا وأجسادنا، وعانيت من تقاتل الأخوة وصراع النفوذ من كل صوب.

إنكم رجلٌ يختصر تاريخاً عابقاً، إذ عايشتم مراحل دقيقة من تاريخ الوطن، وإتخذتم مواقف….. سترددها الأجيال جيلاً بعد جيل.

أرادك البعض حصة حصرية… ورماك البعض بكيل من الأباطيل، وأنت أنت ما برحت، صوت الضمير في مواجهة الآت الأقوياء والمستقوين، وصرخة الحق في وجه المحتلين والتابعين، وإرادة الثبات الذي لا يلين في أزمنة الأجندات المفروضة والمرفوضة. فحفرت الجبل بالإبرة…… حتى بان فجرٌ آخر.

ولكننا يا سيدي، لم نقدّر القيمة! فبقي البعض منّا يحمل صوراً وقبعات! ويجيد فن الركوع لا في حضرة الله، بل على فتات موائد من تولوا السلطات عندنا، فأفلحوا في الإفساد وما شبعوا، وأوصلوا العباد الى إعسار…. وما إستفاق عندهم ضمير.

قلت لنا أن شبابكم غنى…….. لا تجعلوه فقراً ولا كَفراً ولا جهلاً. ولكن بعضاً من شبابنا إسترسل في التربية البغيضة على الأحقاد الدفينة وإدانة الآخرين.. وما إرتدع. وبعضاً من شبابنا إستمتع بالتبعيّة وعبادة الأشخاص.. على رغم الحقائق الساطعة، ولم يمتثل. وبعضاً من شبابنا قُتِل وقَتل وتقاتل طيلة عقود، من أجل معلمي الأرض الذين عاثوا في الأرض، وبعثروا قوة لبنان الكبير.

قلت ما قلته يا سيدي، وغبت وكنت تاج الغائبين…. وفي رحلتك البطريركية، حفرت إسماً للبنان في ضمير العرب والمسلمين، ورفعت مبادئ الإنسانية الساميّة فكرّست إحترام المجتمع الدولي، من كنت تجاهر أمام قادته…… بما لم يكونوا يعملون إلا نقيضه.

أنت لم تغب، بل رحلت الى نصاب المجد الذي لا يزول في حضرة سيد المجد والأكوان. بعضٌ رحل وبعضٌ سيرحل، وإسمك سيبقى محفوراً لا في ذاكرة الصخور العتية في جبال لبنان فحسب، بل في سجلات الخلود مع الساعين للحفاظ على وصيتك في الحفاظ على الأغليين:  إيمان بالله، وحرية للبنان وللإنسان.

قلت ما قلته….. وقد ولدت منذ مئة عام…

وما قلته سيُردّد….. مئة عام بعد مئة عام …

في يوم تكريمه

أنت الصخرة … في هذا المشرق الحزين، والصخرة تعانق التراب وترنو الى السماء، بيعتنا أيها الكبير تبني غدها على عشرين حولا تزيّنت بها السّدة بالوقار وبعباءة مشرقية فرشتها سجادة وطنية جذلى. ومنذ انتخابك يا وقور لبنان، إلتزمت وعد الصيادين الذين لازموا الناصري الحبيب وعبقوا بالتعبّد وبعشق الأرض من أجل السماء.

إبن ريفون وكسروان سابقا، والدها اليوم وأب القوى التائقة من الجنوب الى الشمال الى المغتربات، الى زخة بخور تطهر لبنان وترعى خرافه الحالمة ببيدر السلام وقمح الوحدة في التنوّع والعيش معا.

منذ عشرين حولا وصولجانك ينصت ولا يصمت تؤمك الحشود وأنت من على كرسيك الأوسط تتوسط الجميع، تجمع الأخوة وتدعو للقبلة في زمن القنابل، والصفح في أيام السفاحين، ولارتفاع الأقلام في أزمنة البنادق وللديمقراطية في عصر حرية الفساد والفوض والوصاية.

علّمتنا منذ عشرين عامًا ألا نخرج من لبنانيتنا الى هويات بديلة، علّمتنا أن البحر للتأمل والصلاة لا للسفر والهجرة. وكنت مؤتمنا مع الشرفاء على وطن محدود في الجغرافيا وعملاق في الرسالة والتاريخ. وها نحن اليوم نلقى سخافاتنا وخلافاتنا وحواراتنا بين يديك لتفصل فيها بحكمتك، علّك تدخلنا من جديد الى جنة لبنان الحر الجديد.

لعشرين خلت، كنت رجل الله فيما كان كثر أشباه رجال آخرين، ما أردت إلا للوطن وكان المتخاصمون يأتون إليكم، كلٌّ له غايته وأحلامه وأحلافه، أما أنت فكنت تلوذ بالحوار، وتردّد أن لبنان نموذج حضاري وهو الإستثناء في محيطه، لن يحكمه ملك أو عائلة أو حزب… وكنت تذكّر زائريك أنه أعرق ديمقراطية في الشرق واستمراره ضرورة للحياة والحرية. ولطالما ناديت بحقوق الناس يوم كانت الحقوق مهدورة والأصوات مخنوقة، وكم حذرت من حق القوة التي يجتاح قوَّة الحق، وكم حذرت من الديمقراطية الضائعة في غياهب الطائفية والتبعية والزحف الى حيث نعرف وتعرفون.

صاحب الغبطة، عشرون سنة وأنت تعتلي مجد لبنان الذي أُعطي لعظتك الأسبوعية مردّدا ما قلته يوم انتخابك «قوَّتي بقوَّة من يقوِّيني». وكان صوتكم صادحًا في البرية وسط الشرذمة والخلافات حتى الأخوية منها.

هل سمعوا كلامكم الذي ما فتأتم ترددو؟. نجيب عنهم : سمعوا أم لم يسمعوا، فعندما تكونون بخير يكون لبنان والأحرار على طرق الخير والحرية. ولبنانكم الذي تفجّرت فيه أزمات العرب وغير العرب هو بالنسبة لكم مقرّ الإختبار لا المختبر حيث تمتزج فيه حضارات وثقافات تارة بالتعاون، وتارة بالتجاذب… وكم من صورة لزعيم غير لبناني رُفِعت في أزقتنا فيما كنت ترفع صورة المصلوب كأنّك تقول: تحت أقدام الناصري الحبيب تتوحد القلوب وترتقي النفوس والغايات لتذوب في الغاية القصوى.

صاحب الغبطة، علَّمت سبع عشرة طائفة أنها ليست سبعة عشر لبنان بل هو وطنُ واحد «بموزاييكه» الرائع. هذه هي الأعجوبة اللبنانية التي لم يصدقها حتى اليوم بعض اللبنانيين.

إنني باسم مؤسسة البطريرك نصرالله صفير نشكر جميع من تجشم المجيء الى هذا الإحتفال. ونشكر جامعة سيدة اللويزة رئيسًا وإدارة والى سنين عديدة يا سيد.

وفي الختام، وبمبادرة شخصية ومع بعض الأصدقاء أُعلن إطلاق جائزة البطريرك صفير السنوية لأفضل عمل يساهم في السلام.

 

تكريم البطريرك مار نصرالله بطرس صفير – بكركي 19 نيسان 2006

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل