لن نترك أسرانا أبدًا

لأنّنا قوم متجذّرون في الأرض، وممتلئون بالإيمان، ونموت أوفياء لقضيّتنا، لذلك لا ننسى أسرانا ومعتقلينا مهما طال الزمن. وهذه من ثوابتنا. وفخر لنا أنّنا نحمل مشعل قضيّتهم، والأكثر ما زال مشتعلا بفعل صلاتهم وإيمانهم وصلابتهم. هذه القضيّة التي ما زالت حيّة بفضل الكثيرين ومنهم جهاز الشهداء والمصابين والأسرى، وعلى رأسه جورج العلم الذي لم يوفّر أيّ جهد استقصائي مع فريق عمله لأرشفة ملفّات الأسرى، على اختلاف انتماءاتهم.

وبعد تتمّة هذا الجهد، فاجأ جهاز الشهداء والمصابين والأسرى في حزب القوّات اللبنانيّة اللبنانيّين، والعالم أجمع بتقديمه دعوى قضائيّة، بوساطة مجموعة من المحامين، بالنيابة عن عدد من أهالي المعتقلين اللبنانيّين، وعدد من الأسرى المحرّرين، ضدّ بشّار حافظ الأسد، والنّظام السوري بتهمة خطف وتعذيب وقتل لبنانيّين. ولهذه الغاية عقد النائب السابق أنطوان زهرا مؤتمرًا صحفيًّا في نادي الصحافة، شرح فيه حيثيّات هذه الدّعوى. هذا الجرح الذي لم يندمل حتّى بعد ثلاثة عقود على انتهاء الحرب اللبنانيّة البغيضة. وما زال نازفًا حتّى اليوم. ودموع الأمّهات والآباء والإخوة والأخوات والبنين والبنات والرّفاق لم تجفّ.

وتكتسب هذه الدّعوى أهميّة كبرى لأنّها المرّة الأولى التي سيبتّ فيها بوساطة القانون اللبناني، وهذا ما سيسمح بالتوجّه إلى القضاء الدّولي من خلال جامعة الدّول العربيّة والأمم المتّحدة، والصليب الأحمر الدّولي. وعندها يصبح هذا النّظام ورئيسه متّهمين مُثبتَين بالقانون المحلّي والدّولي بالتّهم المكالة إليهما. والأهمّ من ذلك كلّه، تلقى مسؤوليّة معنويّة ووجدانيّة على عاتق أيّ لبناني تسوّله نفسه بأن يضع يده بيد هذا النّظام المجرم. وبحقّ الرابط اللبناني بين اللبنانيّين مجتمعين، الرابط المواطَني انطلاقًا من المواطنيّة اللبنانيّة، على كلّ لبناني السعي لإقفال هذا الملفّ لا سيّما أولئك الذين يفاخرون بعلاقاتهم الأخويّة مع بشّار ونظامه.

أمّا في حال تقاعس هؤلاء فلا ملامة على أهالي الأسرى إذا ما اعتبروهم شركاء في هذه الجريمة ضدّ الانسانيّة. هذه الجريمة التي لا يقبلها كائن حيّ بحقّ الانسان. ولنا شهادات بعض مَن تمّ تحريرهم من المعتقلات السوريّة ما يكفي لنعرف مدى الظلم والعذاب الذي يعانيه هؤلاء في غياهب هذه المعتقلات التي أقلّ ما يقال فيها أنّها تجرّد الإنسان من إنسانيّته: الأسير وسجّانه. فالأسير لشدّة الآلام المبرحة التي يعاني منها يفقد أيّ شعور بالألم. أمّا السجّان الذي ترك إنسانيّته خارج عتبات المعتقل فهو يخرج من خدمته العسكريّة هناك فلا يجدها.

وبحسب ما قاله النّائب زهرا، فهذه القضيّة هي خطوة من مسار اتّبعته القوّات اللبنانيّة: رئيسًا، وكتلة نيابيّة، ووزاريّة، وأجهزة مختصّة، للوصول إلى كشف مصير واستعادة مَن خطِفَ واعتُقِلَ وعُذِّبَ على أيدي هذا النّظام القاتل شعبه اليوم كما قتلنا واعتقلنا منذ العام 1975. وتبدو لافتة في هذا الملفّ الجرأة التي تحلّى بها مَن بادر من الأسرى المحرّرين وأهالي بعض المعتقلين لتقديم هذه الدّعوى ومتابعتها.

مهما طال الزّمن، لا يمكن لأيّ شخص بشري يمرّ في هذا الوجود أن يمحو وصمة العار هذه عن جبين هذا النّظام المجرم الذي لو ادّعى العفّة والطهارة والبراءة فدموع الأمّهات والخرائط التي رسمها على أجساد المعتقلين وحدها كفيلة بإثبات جريمته ضدّ الانسانيّة. فهو لم ينتهك فقط الشرعة العالميّة لحقوق الإنسان، بل نسفها من أساسها لأنّه تعامل مع البشر من مُنطَلَق انتمائه لفصيل غير البشر. هؤلاء الأسرى الذين اعتقلوا لا لشيء إلا لأنّهم أحرار، فجرّدهم حتّى من حقّهم بالاسم وحوّلهم إلى مجرّد أرقام لا قيمة إنسانيّة لها.

وحتّى لو أنكر بشّار الأسد أمام الملء وجود معتقلين لبنانيين في سجونه، ولو تمّ تهنئته بإعادة انتخاب نفسه بنفسه للمرّة الرابعة من قبل أعلى الرؤساء والمستزلمين في لبنان، هذا لا ينفي جرمه في الخطف، والاعتقال، والتعذيب، والنّكران. وكلّنا إيمان أنّ عدالة السماء لن ترحمه، بغضّ النّظر إن تحقّقت عدالة الأرض فهذا فعل توثيقي لكتابة هذا الفصل من العار بحقّه وبحقّ نظامه في كتب تاريخ الدّول كلّها.

فالمسؤوليّة الملقاة على عاتقنا اليوم كبيرة جدًّا، إذا كنّا فعلا أمينين على إرث رفاقنا. والمسؤوليّة الأكبر تقع أيضًا على عاتق رفاقنا في الانتشار الذي يمتدّ بين الأصقاع الأربعة. عليهم أن يحملوا أيضًأ هذه القضيّة كما حملناها نحن في لبنان ويرفعوها إلى أعلى المراجع القانونيّة في البلدان التي ينتشرون فيها. وفي نهاية المطاف لن يصحّ إلا الصحيح.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل