Site icon Lebanese Forces Official Website

العوافي يا مواسمنا… رجع لبنان الفلاح

العوافي. هيك منصبّح هناك فوق في تلك القرى المرمية مثل شقفة شغف فوق عيون السهل الاخضر. “كيف الموسم ابو علاء نشالله منيح السنة؟” يخلع ابو علاء كوفيته البيضاء، يمسح عرقه المخضّب بتعبه، “الحمدلله زرعنا من كل شي شوي تـ نخفف علينا مصاريف، بس المهم يصير في تصريف للمزروعات”.

هي ارض التراب الغني، التراب الذهب، ثروة الثروات حين تعطي من حالها كل شيء، وتعطيها السواعد المفتولة بالحب، كل شيء ايضا. “هالارض قد ما بتعطيها بتعطيك”، يقولون في ضيعتي، وضيعتي هي كل قرية في جبال لبنان، غارقة في كل ذاك الاخضر الشهي الذي يصبّح عليك نسيما مدللا، واول خيوط شمس تتراءى من بين اشجار الحديقة وقرميد الجيران، واول خيوط قمر يسرق السمع والنظر على فراندا الليل.

فوق، في جبالنا وقرانا، تراب لبنان الغالي حين يعود عرسا للمواسم بعدما هجره كثر، واستخفّ به كثر، وصار كثر من ابناء مدينة سرقهم الزمن والوظيفة وليل المدينة الصاخب، ولما بدأنا نتحول تدريجا إلى شحادين ببلدنا، عدنا اليها ادراجنا، عدنا بشغف الخوف والخيبة ايضا، عدنا بكرم الحب وكل كل ذاك الحنين، الى كل تلك الارض المشتاقة الينا.

“شو يا ادمون كيف مشروع البندورة معك؟”، عمر ادمون لا يتجاوز الـ23 عاما وهو طالب اخر سنة في الجامعة ايضا، يدرس اون لاين ليلا، ويحمل مزروعاته ومجرفته ومعوله، ويذهب واخوه فجرا الى بساتينه يزرعها مواسم مواسم من كل شيء الكثير، “ليكي بنت عمي، اليوم زرعت 3500 شتلة بندورة بين السهل والكرم فوق بالجبل، اذا نجحوا معي وبعتن كلن بسوق الخضرا، والله بطلّع قد مصاريفن ع تلات مرات وهيك ببلش بموسم جديد بـ نص آب ان الله راد”.

كأن الضيعة عادت الى الضيعة، وكأن الازمة الاقتصادية الحادة، ذكّرت اللبنانيين ان الاصل هنا، وان الارض كالأولاد والاحفاد ان تركتها تركتك وصارت بورا بلا مربى، تسرح فيها وتمرح الاشواك والحشرات. تسرح فينا سلطة فاسدة سارقة لأرزاقنا، واحتلال وحش يقبض على كل خير في هذه البلاد، وحدها الارض تتمرد على الشر المتربّص بها لأنها لا تقبل الا ان تنتج الخير وحرية المواسم، لأنها من صنيع الرب مباشرة. كأن الازمة الاقتصادية الحادة ذكّرت اللبنانيين ان من ينسى ارضه ارضه ستنكره، فعادوا كمن يركض الى ملاذه الاخير.

امممممم رائحة الزعتر تملأ السهل وتتغلغل هيك مثل النبيذ في مزاج السكر، “كيف هالموسم يا جار؟”، يلتفت الجار من تِلم الزعتر الاخضر العابق بشذاه “والله يا فيرا الحمدلله روعة، زرعت مساحات أكبر لان الطلب زاد السنة، وليكي هالمنظر لـ بيشق القلب”. جاري البير العائد من غربة سنين، عاد الى ارضه، دللها، فلحها وزرعها مواسم زعتر، التي اصبحت مطلب الكل في الضيعة والجوار، ما دفعه الى زيادة المساحات المزروعة كي يلبي الطلبات المتدفقة عليه هذه السنة “الناس متضايقة وبتركض ع البلدي لان اطيب وأرخص بالأسعار، وما في احلا من الارض شو بتتعبي فيها بتعطيكي اضعاف الاضعاف”، يقول ويذهب ليحصد اول غلاله لهذا الموسم.

كل بيوت الضيعة مزنرة بحدائقها، وكل حدائقها تحولت الى مزروعات بيتية، تكفي الصيف كله وحتى اول الخريف. بندورة خيار لوبيا كوسا بصل روكا فجل فليفلة بقدونس نعنع، “زرعت من كل شي شوي للبيت والولاد، وبيكفونا كل الصيف، حق كيلو البندورة 5 الاف معقول والحامض 7 الاف والخيار 6 الاف شو هالكفر هيدا، السهل مليان خضرا ليش هالغلا كلو مش عم افهم، ما فينا نزرع لحمة ولا دجاج اكيد بس ع القليلة ناكل خضرتنا من الجنينة”، تقول ام شربل، وتوزع على الجيران من مزروعاتها “خير الله كتير مناكل ومنطعمي”.

مر زمن لم نعد نسمع فيه بقبقة الدجاجات في القن وذاك النق اليومي للدجاجة الطوزة التي كلما باضت بيضة تخبر الحي كله انها فعلت! عاد قن الدجاج ليتربع معززا مكرما في حدائق الضيعة، “صار حق البيضة الف ليرة بعدما كنا نشتري كل 6 بألف، قررت رجّع القن ع الجنينة، القرقة لـ خلفت عشر صيصان، هلأ كبروا وصاروا دجاجات وبلشوا يعطوني بيض بلدي اصيل تربايتي شخصيا ومهذبين ومربّايين احلا تربية”، وتغرق جان دارك بالضحك وتهرع الى دجاجاتها “تيعا تيعا تيعا تيعا”، فيتحلقن من حولها سعيدات بوليمة حبوب القمح.

اي الهدايا صارت الاجمل على قلوب اللبنانيين؟ خضرا بلدية من قلب قلب الضيعة، فاكهة من بستان الضيعة، مؤونة بلدية من صنع ايادي الضيعة، بيض بلدي من دجاجات القن بالضيعة، ألم يقل المير بشير يوما “فلاح مكفي سلطان مخفي”؟ وها انا اعود الى ضيعتي احمل معولي وانكش تراب الخير واكل مما ازرع، واحصد خيرات ارضي غصبا عن ارادة من احتلونا بسلاحهم وفسادهم وجعلونا شعبا بلا خير بلا بركة بلا… ثورة!

Exit mobile version