محطة تكرير إيعات للموت البطيء

كتبت غرازييلا فخري في “المسيرة” – العدد 

صحة أولادنا فوق كل إعتبار وإلا…

محطة تكرير إيعات للموت البطيء

روائح كريهة، حشرات، مزروعات ملوثة، أمراض… غيض من فيض مما تعاني منه منطقة دير الأحمر بسبب فشل تشغيل محطة تكرير إيعات، الأمر الذي أدى الى تحويل المجارير التي تصب فيها الى مجرى نهرٍ «المسيل» الذي يمرُّ في سهل بتدعي ودير الأحمر.

منطقة دير الأحمر لا تستفيد أساساً من محطة تكرير إيعات التي تستقبل المياه الآسنة من بعلبك وقرى دورس وعين بورضاي وحوش تل صفية وأنصار ومجدلون وإيعات، بل تتحمّلها فقط بحكم الجاذبية، وتدفع ثمن كارثة لا حول لها بها ولا قوة. فما الحل؟؟؟

كان من المُفترض أن تستفيد منطقة دير الأحمر من كمية مياه كبيرة مُكرّرة وصالحة للري، بعد معالجة مياه الصرف الصحي في محطة تكرير إيعات، تُقدَّر بحوالى 60 مليون متر مكعب تروي عشرات آلاف الدونمات، ولكن حساب السهل لم يطابق حساب البيدر، يتدفق منها يومياً ما يقارب 3 آلاف إنش من المياه الآسنة لتغمر الأراضي الزراعية مما يهدد بضرب المواسم والمحاصيل، بسبب الربط العشوائي للشبكات، ونقلها مواد كيميائية وفضلات محطات المحروقات والبقايا الناتجة من المسالخ والمعامل والمصانع والمعاصر. ووقع ما لم يكن في الحسبان، مما دفع بأهالي المنطقة الى رفع الصوت عبر نائبها أنطوان حبشي، إضافة الى التحركات الأحتجاجية بالتضامن مع المرجعيات الروحية والزمنية، علّه يصل إلى المعنيين، وخصوصاً وزارة الطاقة والمياه، لإنقاذهم من كارثة بيئية تطاول صحتهم ولقمة عيشهم، ولكن لا حياة لمن تنادي، خصوصًا بوجود بند ينصّ على تحويل المياه المُكرَّرة من المحطة إلى أقرب مجرى مياه، فحُوّلت المياه الناتجة من محطة تكرير إيعات إلى مجرى «المسيل» الذي يمرّ في دير الأحمر، ليتحول بالتالي من مجرى مياه طبيعية إلى مجرى مجارير تلوّث كلّ المناطق التي تمرّ فيها.

يقول النائب حبشي إن مشكلة محطة تكرير إيعات عمرها أقله من عمر إنشاء المحطة في العام 2008، فهذه المحطة لم تعمل يومًا وفق المواصفات الموضوعة لها، بحيث أُنشئت بقدرة إستيعابية محددة لتكرير المياه الآسنة، ليتم إستعمالها بعد التكرير في ريّ أنواع معينة من الأشجار المثمرة وهي غير صالحة لريّ الخضار. ولكنها كانت تستوعب أضعاف ما هي مجهّزة من أجله، الى جانب عدم تشغيلها بطريقة صحيحة للأسف لعدم وجود مراقبة لسير العمل بالمعنى الفعلي، حيث كانت تخضع إدارتها لمجلس الإنماء والإعمار وقد انتقلت منذ تسعة أشهر تقريباً الى وزارة الطاقة، وأصبحت اليوم تابعة لمؤسسة مياه البقاع.

وتكمن مشكلة هذه المحطة بحسب حبشي بأنها تطال صحة الناس وتلحق ضرراً كبيراً بأراضيهم الزراعية، بالإضافة الى أن عددًا من المزارعين في سهل إيعات يروون مزروعاتهم منها، مما يشكل كارثة على جميع الصعد. ولفت الى أن المشكلة غير محصورة بالمنطقة، إنما تطال كل لبنان، حيث يتم بيع هذه المزروعات في الأسواق اللبنانية، وهنا يكمن الخطر الذي يؤدي الى تفشي الأمراض. وعليه، تم إعداد عدة دراسات وعقدنا عدّة إجتماعات مع وزارة الطاقة التي كانت ترأسها الوزيرة السابقة ندى البستاني التي أبدت كل الإستعداد لمعالجة هذه المشكلة، لكن للأسف لم يكن هناك أي انعكاس عملي على الأرض لحلّها، إما لعدم القدرة أو لعدم وجود تمويل. وتفاقمت المشكلة بعد وضع ساتر ترابي على حدود بلدة الكنيّسة، مما حوّل سهل دير الأحمر الى مستنقع للمياه الآسنة مسبباً ضرراً كبيراً بأراضي المزارعين، الذين اجتمعت معهم وعرضت عليهم تأمين مكتب محاماة لتقديم دعوى عطل وضرر بإسمهم على مؤسسات الدولة اللبنانية المعنية بإدارة هذه المحطة، حيث إن مئات الدونمات من الأراضي الزراعية تضررت بشكل كبير، وهي بالتالي بحاجة إلى تعقيم ومعالجة، ولا يمكن زراعتها قبل خمس أو ست سنوات بعد رفع الضرر الواقع عليها.

واعتبر حبشي أن الضرر الأكبر اليوم يقع على مدرسة راهبات العائلة المقدسة المارونيات الواقعة بالقرب من مجرى «المسيل» الذي تمر به هذه المياه الآسنة، مما يسبب ضرراً كبيراً على طلاب المدرسة بسبب تعرضهم يوميًا وعلى مدى ثماني ساعات للروائح الكريهة والحشرات والبعوض. وقد بدأت تظهر عليهم الحساسية والأمراض الجلدية التي قد تصل لا سمح الله الى السرطان، وقد تواصلت مع الوزيرة بستاني لحلّ هذا الموضوع طالباً منها على الأقل رفع الضرر عن المدرسة وأن يبقى على الأقل مجرى «المسيل» مفتوحاً كي لا تتجمع المياه الآسنة وتسبب الضرر للتلاميذ، وقد التزمت بفتح الساتر الترابي عند حدود الكنيّسة ولكنها لم تلتزم بتنفيذ تعهدها. ودفع هذا الأمر بعض الأهالي الى إتخاذ قرار بإقفال مجرى «المسيل» على أول بلدة دير الأحمر. ولكن، بعد مراجعة مهندسين وطوبوغرافيين، تبيّن أن الموضوع لن يُحلّ بهذه الطريقة، حيث إن سلوط الأرض في بلدة شليفا هو في إتجاه الدير، الأمر الذي سيؤدي أيضاً الى تحويل سهل الدير الى مستنقع يطال كل الأراضي، وبالتالي نكون قد عممنا المشكلة بدل أن نحلها.

بعد تسلّم الوزير ريمون غجر وزارة الطاقة، أرسل فريقاً من خبراء متخصصين من الوزارة لدراسة المشكلة وتقدم بحلين: الأول طويل الأمد مموّل من الـ USAID بكلفة حوالى خمسة ملايين دولار وتراوح مدة تنفيذه بين السنة والنصف والثلاث سنوات، ويأخذ في الإعتبار وضع المحطة من حيث دخول النفايات الصلبة وبقايا المسالخ والزيوت التي تُرمى فيها. والحل الثاني آني وتراوح كلفته بين 500 و600 ألف دولار يّنفذ في المنطقة المحاذية لمدرسة الراهبات من خلال تمرير هذه المياه الآسنة عبر قساطل وزرع أنواع معينة من الأشجار تمتص الروائح والبكتيريا يحددها الخبراء المختصون. ويقول حبشي: «حاليا نسعى الى تأمين هذه الكلفة من الجهات المانحة كي نبدأ العمل بتنفيذ هذه المرحلة قبل عودة الطلاب الى المدرسة العام المقبل. ولكن هذه الحلول تبقى آنية ويبقى الحل الأنسب هو أن تعمل المحطة بشكل صحيح وفعلي وتحت إشراف جدي».

رئيس إتحاد بلديات منطقة دير الأحمر جان فخري، أكد أن المياه المبتذلة والمختلطة ببقايا كيميائية هي خطيرة على البيئة، وهي تتدفق من المحطة في إيعات باتجاه المنطقة السهلية الممتدة من شليفا إلى أطراف بتدعي ودير الأحمر والكنيسة، بخط طولي يمتد حوالى 10 كيلومترات أصبح عمليًا خط الموت والأوبئة والأمراض، وتطال خطورته، المدارس والصناعات الزراعية والمؤسسات والمساكن ونقطة الجيش اللبناني الواقعة عند اول مدخل دير الإحمر، إضافة الى التربة والمياه الجوفية. ولفت الى ظهور أعراض الأوبئة والأمراض على المواطنين، إلى تكاثر الحشرات وانتشار الروائح الكريهة.

أما مدرسة سيدة البرج لراهبات العائلة المقدسة المارونيات الواقعة عند مدخل بلدة دير الأحمر، والتي تضم حوالى 700 تلميذ، منعت طلابها من الخروج الى الملاعب بسبب الروائح المنبعثة من هذه القناة المفتوحة. وتقول رئيسة المدرسة الأخت ريما المعلوف: «معاناتنا يومية، ونحن نتعرض لمجزرة بيئية بكل معانيها، ونسبة الأمراض بين المعلمين والطلاب إلى ارتفاع. وفي كل مرة نرفع صوتنا نتلقّى مزيداً من الوعود بمعالجة الأمر… فهل المقصود بهذه الطريقة هو تهجيرنا من المنطقة؟ وتضيف: «لن نترك أرضنا وسوف نضغط أكثر وأكثر وبكافة الطرق لرفع هذا الضرر عن المدرسة والمنطقة، فصحة طلابنا وأساتذتنا أمانة في أعناقنا، خصوصًا وأننا ننتظر الحل منذ أكثر من ستة أعوام، وقد توجهنا بكتاب مفتوح الى وزراء الزراعة، والصحة، والبيئة، والطاقة، والمياه، وإلى نواب منطقة بعلبك الهرمل، ومجلس الإنماء والاعمار، ومحافظ بعلبك الهرمل، ومؤسسة مياه البقاع المعنيين بهذا الأمر».

«يا ريت الصورة تستطيع نقل الرائحة التي يشمها أولادنا يومياً ليعرف الجميع ما نعاني منه»، يقول رئيس لجنة الأهل في مدرسة سيدة البرج غسان العاقوري، مؤكدًا أن «الوضع خطير على صحة الأولاد. ونقف الى جانب إدارة المدرسة للضغط من أجل إيجاد حل نهائي لإيقاف هذا الهواء الملوث الذي يتنشقه أولادنا، ولن نتساهل بهذا الأمر، وسنذهب نحو التصعيد وقطع الطريق إذا لزم الأمر».

أهالي منطقة دير الأحمر ضاقت صدورهم من وعود الدولة الكاذبة. فالكارثة البئية تطال صحتهم ومنتوجات سهلهم التي لطالما تميّزت بجودتها ونوعيتها وسلامتها، وهي تُسوَّق في كل المناطق اللبنانية، فإلى متى ستبقى الحال على ما هي عليه؟؟؟

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل