إيران في مفاوضات فيينا: “صولد”

كتب النائب وهبي قاطيشه في “المسيرة” – العدد 1717

 

تتوالى الإجتماعات المتباعدة في «فيينا» لإيجاد حلًّ للمسألة الإيرانية، وانعكاساتها على ساحات الشرق الأوسط وحول  العالم.

لم يمر وقتٌ طويل على بدء المفاوضات في «فيينا»، بين القوى الدولية (5+1) وإيران، حتى بدأت وسائل إعلام محور الممانعة، بتبشير جماهيرها، المُضَللة أصلاً، بأن إيران باتت على قاب قوسين من توقيع الإتفاق الذي يؤمِّن لها النصر في تلك المفاوضات. وكأن إيران هي التي تفرض العقوبات على ال5+1، أو كانها هي التي تحاصر الولايات المتحدة الأميركية، فأجبرت هذه الدول الست (5+1) على التوقيع بشروطها، وتحقيق الفوز في المفاوضات. إنها تجارة الأوهام التي تجتاح ساحات الممانعة منذ أربعة عقود.

قبل أن نبدأ بمواكبة المفاوضات في فيينا، يُستحسن أن نحدد نقاط الخلاف بين الفريقين المتفاوضين في عاصمة النمسا، لنتلمَّس بعدها النتائج التي قد تتمخَّض عنها هذه المفاوضات. فنقطة الإنطلاق الثابتة، والمتفق عليها من قبل المفاوضين الدوليين، هي أن أسباب فوضى الشرق الأوسط اليوم وأمراضه، عائدة للسياسة التي تنتهجها إيران في الإقليم منذ أربعة عقود، وهي تتلخّص باستراتيجيتين أساسيتين تعتمدهما طهران: الأولى محاولة إيران إمتلاك سلاحٍ نووي، خلافاً للإتفاقات الدولية التي سبق ووقعت عليها، والثانية هي التمدُّد والهيمنة والسيطرة على منطقة الشرق الأوسط. هاتان الاستراتيجيتان استولدتا استراتيجيات إيرانية فرعية أخرى تعمل على تسعير الفوضى في الإقليم وخارجه، أهمها: صناعة الصواريخ البعيدة المدى، التدخُّل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة بزرع الفوضى داخل هذه الدول، وأخيراً الإرهاب الذي ترعاه وتشجعه طهران عبر بعض أذرعها الخفيَّة في ساحات الشرق الأوسط وخارجه. من هنا تأتي صعوبات المفاوضات التي ترعاها فيينا لأن نتائجها ستقود، على الأقل، إلى تخفيف وطأة إيران في الشرق الأوسط، أو إلى تدجينها وإعادتها إلى حضن الأسرة الدولية، ما يجعل المفاوضات أمراً شاقّاً، خصوصاً بالنسبة لطهران، لأن «يدها في نار العقوبات والحصار.

في مشروعها الاستراتيجي، تخوض إيران الحرب على عدة جبهات، بتكلفة مادية بخسة جداً قبل أن تُفرض عليها العقوبات. فالحروب التي تقودها ضد العرب فوق ساحات دولهم، تخوضها بالعرب، والحروب التي تقوم بها، من وقت لآخر ضد إسرائيل، تخوضها أيضاً بالعرب، والإرهاب المتهمة به فوق ساحات الدول البعيدة، تخوضه أيضاً بالعرب، بواسطة أذرع عربية جنَّدتها سراً لخدمة مصالحها. ولكن بعد أن انكشفت مشاريع إيران النووية والتوسعية، قررت الأسرة الدولية مواجهتها في فيينا، لإعادتها إلى حدودها الطبيعية وإلزامها باحترام تعهداتها الدولية. وهذا ما تحاول الوصول إليه في فيينا.

تزامناً مع مفاوضات فيينا، ثمة حركة دبلوماسية كثيفة في منطقة الشرق الأوسط. فالإتصالات المتجددة بين الدول العربية المتخاصمة بسبب التدخل الإيراني في المنطقة، تنشط على المحاور الأساسية. هي ناشطة منذ أشهر عديدة بين المملكة العربية السعودية والعراق، والهدف منها مساعدة العراق على الخروج من الهيمنة الإيرانية، وقد شهدنا منذ فترة إقدام عراقيين شيعة غاضبين على إضرام النار في مبنى القنصلية الإيرانية في مدينة كربلاء برمزيتها الدينية، تحت عنوان «رفض الإحتلال الإيراني للعراق». وتؤكد حركة تبادل الزيارات بين المسؤولين السعوديين والعراقيين،  سراً وعلناً منذ سنوات، على رغبة العراق في العودة إلى حاضنته وبيئته الطبيعية العربية، لأن الشعب العراقي، بأغلبيته الساحقة، يرفض فكرة الإحتلال والتبعية من أية جهة أتت. فكيف إذا كان هذا الإحتلال من قبل شعبٍ إيراني اعتبره حتى الأعوام الأخيرة عدوه التاريخي ؟

على محور آخر، نشطت اللقاءات السرية بين مسؤولين سعوديين وسوريين، توّجها أخيراً لقاء بين مسؤولي المخابرات في البلدين في دمشق. اللقاءات السريَّة واللقاء العلني، هما ترجمة حتمية لما أدلى به سرَّاً الرئيس بشار الأسد، الراغب في التخلُّص من الهيمنة الإيرانية والعودة بسوريا إلى حضن الجامعة العربية، إذ أوحى بأنه مستعدٌ لإخراج «حزب الله» وإيران من سوريا،على أن يضمن عودته إلى الجامعة العربية، وأن يحصل على دعمٍ مالي عربي، لإعادة النهوض بسوريا وإنقاذ الشعب السوري من المآسي التي يعيشها اليوم. طبعاً تجاوبت دول الخليج مع رغبة الرئيس الأسد، وترجمت ذلك التجاوب بلقاءات سرية وعلنية بين بعض مسؤولي الخليج ومسؤولين سوريين. هذه الرغبة من الأسد، والنشاطات التي تبعتها، تلقى تأييداً غربياً من دون شك، ورغبة روسية ترفض أصلاً مشاركتها «الكاتو» السوري، خصوصاً إذا كان هذا الشريك الدولة الإيرانية.

الدبلوماسية المستجدّة التي أرعبت الإيرانيين، هي الإنفتاح العربي على إسرائيل بدءاً بدول الخليج. هذه الدول التي كانت تعتبر إسرائيل عدوتها الوحيدة، أخذت تشعر بالخطر الداهم على أنظمتها، بسبب ممارسات السياسة الإيرانية في المنطقة ونشاط أذرع إيران الإرهابية داخل هذه الدول. صنَّفت دول الخليج الأخطار التي تتهددها فجاءت إيران بالدرجة الأولى قبل إسرائيل لأن الأولى تهدد استمرارية أنظمتها، فاختارت المصالحة مع إسرائيل (عدو عدوها الأخطر)، لتتفرّغ إلى مواجهة العدو الأخطر على أنظمتها. وهكذا انقلب سحر إيران على الساحر، إذ بدل أن تحاصر إيران إسرائيل بواسطة العرب بعد الهيمنة عليهم، وجدت نفسها محاصرة من العرب ومن ورائهم إسرائيل، فتكون بذلك قد أدّت خدمة العمر التاريخية ل تل أبيب. بالإضافة طبعاً إلى الحصار والعقوبات المفروضة عليها من واشنطن، والتي تطبقها معظم دول العالم، بسبب المكانة المالية والتجارية التي تتفرد بها واشنطن في النظام العالمي.

في ظِلِّ هذا المناخ الذي يجتاح الدول العربية، والمقلق لإيران خلال مفاوضاتها النووية، جاءت أحداث غزه لتذكِّر المفاوضين في النمسا بأن إيران لا تزال تمتلك قوة التعطيل، بأجساد الغزاويين، للضغط على مجرى المفاوضات. إيران تدعم عسكريَّاً غزه، لكن حرب غزه هي فلسطينية بامتياز، ولا يمكن للفلسطينيين في غزه أن يوافقوا على أن  يكونوا وقوداً لمصالح غير مصلحتهم الوطنية. فهل تحاول إيران  الإيحاء بأنها هي التي تحرك الأحداث في غزه، لتكون هذه الحرب آخر أوراقها الملعوبة فوق ساحة فلسطين قبل أن تصل إلى الإتفاق النهائي مع الأسرة الدولية؟ أم أنها تستمر في مفاوضات شاقة وسط معاناة الشعب الإيراني؟ أم أنها ستبقى صامدة ومعاندة حتى العشرين من شهر حزيران المقبل، موعد انتخاب رئيس جديد للجمهورية الإسلامية في إيران، لاستغلال المفاوضات المتعثرة لصالح الفريق المتشدد بداخلها؟

المجتمعون حول الطاولة في فيينا مرتاحون باستثناء إيران التي يداهمها الوقت، لأن أوضاعها الداخلية قد لا تسمح لها بالإنتظار طويلاً. والذين يراهنون بأن وصول رئيس إصلاحي إلى رئاسة الجمهورية في إيران قد يُضعف الموقف الإيراني، إذ سبق أن كان رفنسجاني وخاتمي إصلاحيان وبأغلبية ساحقة في البرلمان الإيراني، لكنهما لم يتمكنا من إحداث أي تغيير، لا في سياسة إيران الداخلية، ولا في سياستها الخارجية، لأن النظام في إيران يعطي حق «الفيتو» للمرشد الأعلى والأجهزة المرتبطة به في جميع الأمور الاستراتيجية الإيرانية. لذا يسود الإعتقاد بأن المفاوضات ستطول، وقد لا تستسلم إيران لشروط الأسرة الدولية إلاّ بعد أن تتأكد من أن «السجادة» قد سُحِبَت من تحت قدميها فوق الساحات العربية، خصوصاً بعد  أن تتَّضح نتائج التواصل بين العراق ومعه سوريا من جهة والدول العربية من جهة أخرى، بالعودة إلى الحاضنة العربية، وتكون نتائج المفاوضات لا سلاح نوويًا (وطبعاً لا صواريخ بعيدة المدى) باحترام الإتفاقات المعقودة مع الأسرة الدولية،  ومغادرة الساحات العربية، والإقلاع عن الإرهاب. يُضاف إلى هذا المناخ «التفاؤلي»، المباحثات التي تجري حاليَّاً بين طهران والرياض، وهي، وإن كانت لا تزال في المرحلة الإستكشافية المتبادلة بين الفريقين، إلاّ أنها تؤشِّر إلى تعب جميع الدول والشعوب من الحروب في  الشرق الأوسط، الذي يحتفظ بمفرده بعدم الإستقرار منذ عقود، وتوق الدول وشعوبها إلى الإستقرار أسوة بكل شعوب الأرض.

إنتهى عصر خوض الحروب بالأجساد العربية من قبل طهران فوق ساحات الشرق الأوسط. فالشعوب العربية أدركت مساوئ التبعية حتى بإسم الدين، والأسرة الدولية (خصوصاً الخمس الكبرى)، تُصِّرُّ على وضع حدٍّ لتجاوزاتها التي تسببت بالفوضى في الإقليم طيلة عقود. حتى حليفتها الكبرى روسيا، تدفع باتجاه المصالحات العربية لإخراج إيران من ساحات هذه الأخيرة، لأنها تعتبرها شريكاً ثقيلاً لها فوق هذه الساحات. والدول الكبرى ترفض التوسعة النووية، لأن حصول إيران على السلاح النووي، يعني فتح البازار الذرّي أمام دولٍ عربية عديدة، منها على الأقل: الإمارات ومصر والسعودية، للمطالبة بالحصول على سلاح مماثل، ما يعرّض الإستقرار الإقليمي والدولي للخطر. إنها طاولة اللحظة الأخيرة في فيينا، بعد أن استنفدت إيران جميع أوراقها العربية – العربية، والعربية – الإسرائيلية. إنها ورقتها الأخيرة «صولد» في فيينا. فهل نحن على أبواب عصر جديد من الإنفتاح والإستقرار؟ إنها أمنية جميع شعوب الإقليم للعيش بسلام.

وهبي قاطيشه – نائب في البرلمان اللبناني

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل