عطركم ريحان بعدما صارت العلامات التجارية بخبر كان

منذ أن تعرفت على زوجها الحالي العام 2008 حتى عيد ميلاد العام 2019، والسيدة ندى تتلقى هدايا العطور من الماركات العالمية، من ذوق الزوج الذي كان يصرّ على تجربة ما هو جديد. أكثر من 40 زجاجة عطر على مدى الأعوام العشرة، استهلكتهم من دون رحمة. ندى من محبي العطور، وزوجها مثلها، حتى أنه لم يخطر في باله أن يهديها الا عطراً في المناسبات منذ أن تعرّف اليها. رأيتها الأسبوع الماضي تتحسر على روائح أصبحت من الماضي، و”تندب حظها السيء”، لو حافظت فقط على نصف الزجاجات لتقطيع المرحلة الحالية. فالعطور باتت من الكماليات، وشراؤها اليوم بالنسبة لأرباب العائلات خطيئة في اللاوعيهم، لأن سعرها يعادل راتب أسرة.

في جولة سريعة على الـperfumeries الموثوق بها، لا مجال الا أن يلاحظ الزبون الأسعار الجنونية التي ارتفعت 10 أضعاف، عما كانت عليه في السابق. فالعطر الذي كان مُسعراً بـ120 ألف ليرة، بات اليوم بمليون، وما كان يباع بمئتي ألف صار بمليون وسبعمئة ألف. صحيح أن أسعارها على الليرة اللبنانية تسابق الريح، لكن هذه الماركات كلها مستوردة، ويتم دفع فواتيرها بالـfresh dollras، وهنا جوهر المصيبة.

وفي محاولة لـ”القوطبة” على الأوضاع الهستيرية التي يعيشها اللبنانيون، نشطت تجارة تعبئة وتركيب العطور في الاسواق اللبنانية التي بدأت منذ سنوات، واستطاعت ان تحل بالنسبة لكثيرين مكان الـBrands التي بات شراؤها شبه مستحيل.

في المقابل، تحافظ أسعار مساحيق التجميل من الماركات العالمية على بعض من تواضعها، إذ إن المنافسة الشديدة بين الشركات العالمية في السوق اللبناني، رفعت أسعار الكثير من الماركات ما بين أربعة وخمسة أضعاف فقط، بينما حلّقت أخرى متفوقة على العطور. هذه الأسعار التي تبدو غير منطقية لكثيرات، ستُجبر العديد من النساء على الاستغناء عن مساحيق التجميل.

صاحب مؤسسة Le p’tit cadeau فؤاد أبو شبكة يشرح وضع محلات العطور والتحديات التي تواجهها في هذه الأزمة الصعبة، لافتاً الى أن القيمة الشرائية لدى اللبنانيين انخفضت كثيراً، إذ كنا نبيع 10 زجاجات من ماركة معينة في اليوم الواحد، فصرنا نبيع واحدة في الأسبوع أو ربما خلال الأسبوعين.

يشير، في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، الى أن البضائع المُقلدة تغزو السوق والغريب رفع الغطاء عن هذا التزوير، بينما لا تتعامل المؤسسات التي تحترم نفسها، ومؤسستي طبعاً، الا مع الوكالات العالمية والشركات المُستوردة التي تعمل بطريقة رسمية وبكل شفافية. يضيف، “لو يُعلمون الزبون بأن ما يبيعونه مُقلداً لانتهى الموضوع عند هذا الحد، مثلاً محلات تركيب وصناعة العطور تقولها بصراحة، وهنا يقرر الزبون ماذا يريد، لكن المقلدين يعمدون الى تجميع عبوات الـperfume الأصلية ويرتبونها ويعيدون تعبئتها بعطور مزوّرة على أنها أصلية ويبيعونها أونلاين ولا من يسأل أو يهتم، وهذا أمر لا يجوز”، مطالباً الدولة بالقيام بواجباتها الرقابية لأنه قانوناً ممنوع بيع ما هو مقلد بالاسم والزجاجة والـdesign نفسه للعلامة الأصلية.

يجزم بأنه من المستحيل أن يُدخل الى مؤسسته قطعة فيها كلمة “لو”، لأنه وكما يقول المثل “الغالي رخيص”، لكن المشكلة أن الأسعار التي ضُربت بعشرة، جعلت قسماً كبيراً من الزبائن غير قادر على شراء الـperfume، ما يزيد الضغط علينا، إذ يفضل الزبون ان يُبقي ثمن زجاجة العطر التي وصل سعرها مثلاً الى مليون ليرة في جيبه، لسدّ حاجات أسرته في ظل الغلاء الفاحش.

يتحدث عن مشكلة أخرى تواجهها المؤسسات العاملة في هذا المجال، مع الشركات المستوردة التي تعتمد منذ مدة سياسة التقنين في التوزيع، إذ تعاني بدورها من شحّ في الاستيراد بعد الإغلاقات الطويلة لأوروبا بسبب كورونا، مؤكداً أن هذه المؤسسات حسمت من أرباحها بشكل كبير كي تتمكن من الصمود، علماً أن نسبة المبيع انخفض الى حوالي 75 بالمئة. لكنه يلفت في المقابل الى أنه استطاع ان يحافظ على ما بين 25 و30 بالمئة من الزبائن، لا سيما أولئك الذين يسافرون كثيراً إذ يفضلون “تنفيع ابن البلد”، على الشراء من الخارج.

صاحب أحد المعامل المتخصصة بتعبئة وصناعة العطور المحلية، يتحدث بدوره عن تحديات كثيرة تواجه هذا القطاع البديل، على الرغم من أن 80% من زبائن الـbrands تحولوا الى تلك المعبأة. الصناعي الذي أقفل معمله في جبل لبنان منذ حوالي العام، بعد تفاقم الأزمة الاقتصادية وجنون الدولار، يؤكد أنه حتى في العطور المُركبة كل شيء مستورد، من العطر الى العبوة وصولاً الى الكرتونة، ما أجبرنا على إقفال أبواب معاملنا التي كانت تصنع وتعبئ آلاف الطلبيات الأسبوعية، كي لا نغش في البضاعة إذا أردنا الاستمرار ولا نقفل “مكسورين”، لا سيما بعدما حلقت أسعار السبيرتو عقب جائحة كورونا.

يشرح، في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، وجود صنفين من العطور المحلية، الأول يعتمد على التعبئة المحلية إذ يختار الزبون العطر وكثافته وكمية الزيوت التي يريدها، على أن تتراوح أحجام الزجاجات بين 10 و100 ملل، مشيراً الى أن الرائحة تكون شبيهة الى حد كبير بالأصلية، وهذا ما يعرف بالعطر المركب الذي يباع بين 10 و25 ألف ليرة. والثاني، وهو عطر مستورد ومُعبأ في الخارج، إذ تعمد الشركات الأصلية التي تُصنّع الماركات العالمية الى استحداث رخصة لإنتاج العطر نفسه بالاسم نفسه إنما بمعايير مختلفة عن العلامة الأصلية. “سميه جينيريك إذا بدك”، يضيف صاحب المعمل الذي يلفت الى أن أسعار هذه الفئة تتراوح بين 25 ألف و120 ـ 130 ألف ليرة للروائح العربية والبخورية.

لا يخفي هامش التلاعب لدى العاملين في هذا القطاع، وإذ يؤكد أن الضمير الإنساني وحده يجب أن يكون الحكم لأن الغش في العطور المركبة ممكن أن يتسبب بأعراض صحية كالحساسية ووجع الرأس وتبقع الثياب، يتأسف لأن نسبة البيع خفيفة على الرغم من الأسعار المقبولة.

في عاداتنا اللبنانية القديمة، كانت العائلات تستعمل الريحان لدهن أجساد الرضع… عادةٌ سنعود اليها حتماً إن وجدنا الريحان في جهنم.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل