“المفرد ـ المزدوج” والفانات بدل تسعيرات البنزين المدعومة

بعد حجر كورونا، والعودة التدريجية الى الحياة الطبيعية، اكتشف اللبنانيون أنه لم يعد هناك ما يجمع بينهم أكثر من محطات الوقود. فالانتظار اليومي لساعات، يخوّلك نسج صداقات جديدة والتعرف أكثر الى مواطنيك “المذلولين” أمثالك. أمام المحطات تسمع شتائم للدولة ولليرة والدولار وللساعة التي ولدنا فيها، ولأن اللبنانيين يعلمون تماماً أن أزمة المحروقات مالية ـ نقدية ـ اقتصادية، تراهم لا يبالون إذا سمعوا عن انفراجات وحلول، فيتصرفون كأن الأزمة مستمرة، وهم بذلك طبعاً على حق.

مما لا لبس فيه أن مصرف لبنان يبطئ عملية فتح الاعتمادات، بينما الحكومة تصرّ على عدم رفع الدعم وهي على يقين تام بأن الأمور لن تستقيم إلا إذا اتخذت هذه الخطوة المنطقية. وزارة الطاقة التي سطّرت نجاحات مبهرة في السنوات الأخيرة، ولا تزال حتى اليوم، تحاول جسّ نبض اقتراحات تسربّها الى الإعلام كي تستمزج جو الناس قبل السير بها. كل الأفكار الأخرى من البنزين الإيراني الى النفط الخام العراقي، تبقى خارج إطار الحل حتى الساعة، لأن كلّ ملف حالة بحد ذاته، والسير به يحتاج الى إجراءات طويلة لا تنتهي بين ليلة وضحاها.

الحديث الجديد اليوم يدور حول دراسة تقوم بها وزارة الطاقة تشمل تسعيرتين، واحدة للبنزين المدعوم من فئة 95 اوكتان وأخرى لغير المدعوم من فئة 98 اوكتان، فهل هذا الاقتراح يخفف من الأزمة، وهل يمكن أن يكون بديلاً ولو مؤقتاً لحين انفراج الأمور؟ علماً أن الحديث عن أسعار المحروقات من دون دعم يشبه المزاد العلني، إذ يخرج المعنيون كل يوم برقم يرعبون فيه مسامع اللبنانيين، وقد لامست توقعاتهم الأخيرة، وصول صفيحة البنزين إلى 200 ألف ليرة.

الخبير في الصناعة النفطية المهندس ربيع ياغي، يؤكد أن قراراً من هذا النوع لن يؤدي الى أي نتيجة، بل على العكس سيضاعف السرقة والفساد، لا سيّما أن علاقة المواطن بوزارة الطاقة فيها الكثير من التخبط والعشوائية والشعبوية وعدم الثقة، جازماً بأن الدعم الذي اتضح أنه أكبر خطأ ارتكب منذ العام الماضي حتى اليوم، استنزف 7 مليارات دولار من أموال الناس من دون أن يتمكن الفقراء من الاستفادة منه، ويجب أن يتوقف نهائياً، لكل ما هو خارج القطاع العام، لأنها الطريقة الوحيدة لوقف التهريب.

ويرى، في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن جزء من حل أزمة المحروقات يقوم على سياسة لوحات السيارات السياحية على أساس المفرد ـ المزدوج، مقابل دعم القطاع العام كالسيارات العمومية والفانات، مذكراً بأن السوق اللبناني يتبع أسعار النفط العالمية، فإذا كان سعر طن البنزين اليوم بحدود الـ600 دولار، ستُسعّر الصحيفة غير المدعومة بين 11 و12 دولاراً، بينما تُباع في هذه الفترة على المحطات بـ3 دولارات، إضافة الى تحرك حوالي مليوني سيارة يومياً، وهذا رقم كبير جداً قياساً الى حجم لبنان. يضيف، “إذا شدّينا الحزامين الأخلاقي والمادي نوفّر نصف الاستهلاك، وفي حال استمر الدعم نكون حافظنا على نصفه أيضاً”.

يرفض ياغي تحميل مسؤولية أزمة الطوابير إلى الموزعين وأصحاب المحطات، لأن كمية المحروقات المُسلَّمة إليهم محدودة جداً، غامزاً من قناة الشركات المستوردة أو كارتيلات النفط، التي لا تملك لا مخزوناً استراتيجياً ولا كميات كبيرة للأسواق، واضعاً ما يجري في إطار السياسة الغوغائية، التي تخجل أي قرية في العالم السير بها.

ماذا عن إيران وبنزينها، وهل تتناسب المواد المنتجة في مصافيها مع المعايير والمواصفات اللبنانية، وهل سيتمكن لبنان من الاستفادة من الهبة العراقية الخام؟

يلفت ياغي الى أن إيران بالكاد قادرة على إكفاء ذاتها، لكن في حال تمكنت من تأمين حاجة لبنان، كيف سيتمكن الأخير من الاستفادة من نفط طهران بظل الحظر النفطي عليها، والحصار الأميركي المفروض على لبنان؟ مضيفاً، “إذا كنا فعلاً قادرين على الحصول على البنزين الإيراني، لماذا لا نوقف التهريب؟”.

يشير في المقابل الى أن البنزين يركّب، ومن الممكن جداً أن نحصل من طهران على المواصفات المطلوبة لبنانياً، مؤكداً أننا بحاجة الى نوع واحد من البنزين هو الـ96 أوكتان الذي يناسب جميع السيارات.

ويرى أن نوايا العراق تجاه لبنان طيبة، وتمثل ذلك بتزويده مليون طن من النفط الخام الذي يكفيه لخمسة أشهر، بدل النصف مليون، شارحاً أن هذه المواد بحاجة الى التكرير ولا يمكن للبنان استلامها مباشرة. يضيف، “العراق غير قادر على التكرير، ودخول شركة خاصة على الخط، سيطرح علامات استفهام كبيرة حول شفافيتها وأدائها، فيما سيسقط هدف المساعدة. في المقابل، لا قدرة ولا كفاءة في لبنان للحصول على النفط الخام وإعادة تكريره، وبالتالي هذا الاتفاق يحتاج الى دراسة معمقة لأنه لا يمكن تنفيذه بسهولة على الرغم من حسناته”.

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل