“الحزب” عالق وسط “العبوات الناسفة” بين بعبدا وعين التينة

لم يكن بيان رئاسة الجمهورية الأخير الذي صوَّب على “مواقف من مرجعيات مختلفة تتدخل في عملية تأليف الحكومة”، أقلَّ من “عبوة ناسفة” شديدة الانفجار، نسفت مبادرة رئيس مجلس النواب نبيه بري. لكن عين التينة لم تتأخر في ردِّ التحية لبعبدا على “متفجّرتها” بأحسن منها.

فقد أعلنت رئاسة البرلمان، في بيان، عن أن “قرار تكليف رئيس حكومة خارج عن إرادة رئيس الجمهورية، بل هو ناشئ عن قرار النواب… ولا حق دستورياً للرئيس بوزير واحد…”، مضيفاً، “تقولون صراحة لا نريد سعد الحريري رئيسا للحكومة. هذا ليس من حقكم، وقرار تكليفه ليس منكم…”.

لكن أبعد من ذلك، من المؤكد أن شظايا “العبوة الرئاسية” لم تستهدف بري حصراً، بل أُعدَّت بـ”عناية مدروسة” ليطاول عصفها الحليف الأساسي لرئيس الجمهورية ميشال عون، حزب الله، الذي لم يعد عون يُخفي تبرُّمه من “تماديه” في وقوفه على خاطر بري على حساب العهد والنائب جبران باسيل.

والسؤال، أي موقف سيتخذه حزب الله العالق وسط “العبوات الناسفة” المتبادلة بين بعبدا وعين التينة، ومن يختار بين الحليف وحليف الحليف، وهل يمكنه الاستمرار في لعبة إدارة التوازنات في معسكره إلى ما لا نهاية والتهرُّب من إعطاء موقف حاسم حول الملف الحكومي؟

المحلل السياسي علي الأمين، يرى، في حديث إلى موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أنه “بلا شك حزب الله ليس في أحسن أحواله ويتعرض لاستنزاف نتيجة الوضع القائم، والذي يستنزف قدرات الدولة اللبنانية التي كانت أحد مصادر سيطرته وقوته في البلد. بالتالي لا يمكن للحزب أن يكون بمنأى عن التداعيات التي تصيب الشعب اللبناني والدولة والانهيار القائم”.

ويلفت، إلى أن “وساطة بري تحظى بدعم حزب الله”، معتبراً أن “ما يقوله، بما يتصل بعون أو بباسيل، ما كان ليصل إلى هذا المستوى إن لم يكن يشتم رائحة رضى من الحزب. ولا شك أن بري لديه ضوء أخضر من الحزب، وهو لا يخرج بقرار يبدو وكأن فيه انقسام مع حزب الله، هذا إذا لم يكن هذا الأمر متناغماً مع موقف الحزب ضمناً، وإن كان في العلن قد لا تبدو المواقف متطابقة”.

ويعتبر الأمين، أن “ذلك لا يعني بالضرورة أننا نشهد بداية انفصال بين عون والتيار الوطني الحر وحزب الله فهذا مستبعد، ولا يؤدي انزعاج الحزب من الأداء الحاصل إلى فرط العلاقة بين الطرفين. بالإضافة إلى أن رئيس الجمهورية وتياره اللذين خسرا كل أصدقائهما بسبب وضع كل أوراقهما السياسية في جيبة حزب الله، لا خيار لديهما سوى الاستمرار في هذه العلاقة”.

ويشير، إلى أن “النقطة الأساسية والمحورية للمعركة التي يخوضها عون وباسيل هي رئاسة الجمهورية المقبلة، لا معركة الحكومة ولا معركة وزيرين. أي بمعنى من يكون رئيساً للحكومة. لأنه يمكن ألا تحصل انتخابات نيابية في موعدها ويكون الحريري رئيساً للحكومة، بالتالي قد نصل إلى موعد انتخابات رئاسة الجمهورية ولا تحصل فيصبح الحريري الرئيس الفعلي. وهذا أمر لن يتحمَّله من الآن، لا عون ولا باسيل”.

وبرأي الأمين، أن “ما يريدانه، كلمة من حزب الله تضمن دعمه لباسيل في رئاسة الجمهورية المقبلة. لكن على الرغم من العلاقة الوثيقة والمصالح المتبادلة بين الطرفين، لا يجد الحزب في جبران باسيل مشروعاً رئاسياً، باعتبار أنه يريد شخصية يمكن أن تفيده مع المجتمع الدولي والدول الغربية وتُشكِّل إضافة له ولا تكون (تقَّالة) عليه. فباسيل لم يعد قادراً على ذلك ومصلحة الحزب ليست في اتجاه تبنِّيه، ولو كانت لديه مصلحة لكانت حُلَّت أزمة الحكومة، وهذا مؤشر على أنه لا يريد باسيل كمشروع رئاسي”.

ويعتبر أنه “في المقابل، عون وباسيل لم يعد لديهما خيارات كثيرة إزاء الاستنزاف الذي أصاب التيار الوطني الحر والتراجع الذي حصل منذ انطلاق ثورة 17 تشرين الأول 2019 وفقدانه ميزته كالممثل الأول للمسيحيين، التي أضرَّت حزب الله، إذ لم يعد بإمكانه إعطاء كل أوراقه لهما، بالتالي سيقوم على الأقل بتوزيعها إن لم يكن يريد سحبها”.

ويقول، إنه “مهما تعالت أصوات منتقدة للحزب من التيار، لا فرصة أمام الأخير إلا بالمزيد من التمسك بالتحالف مع حزب الله، إذ لم يعد لديه خياراً آخر لأنه أحرق كل المراكب. فلا عربياً ولا أوروبياً ولا أميركياً يمكن تسويق باسيل، بالتالي المكان الوحيد الذي يمكن أن يراهن عليه، على الرغم من ضعف الرهان، هو حزب الله”.

وبحسب الأمين، “لا أفق للخروج من مأزق تشكيل الحكومة، لأن العقدة هي في رئاسة الجمهورية المقبلة. فباسيل يعتبر أن أي حكومة تتشكل لا يمسك بقرارها أو لا يستطيع تعطيلها عبر امتلاكه الثلث المعطل، ونحن في آخر سنة من الولاية الرئاسية، هذا يعني في حسابات عون وباسيل ضعف موقف رئيس الجمهورية في المرحلة المقبلة ونهاية أمل باسيل بالرئاسة. وهما يتعاملان مع وضعية الحكومة العتيدة كمعركة وجودية، إن هُزموا فيها فذلك يعني النهاية السياسية والنهاية الفعلية لمشروعهما الرئاسي”.

ويتوقع أن “يتمسك عون وباسيل إلى النهاية بشروطهما، إلا إذا أُرغما بطريقة أو بأخرى. لكن رضائياً لن يتقبَّلا فكرة حكومة برئاسة سعد الحريري يخاطبها المجتمع الدولي، وفي الوقت ذاته لا يملك عون وباسيل القدرة بمفردهما وبمعزل عن حلفائهم فيها على الإمساك والتحكُّم بها”.

ويضيف، “حزب الله يريد تشكيل حكومة لكنه لم يصل إلى مرحلة يعتبر فيها أن له مصلحة وجودية بتشكيلها، حتى ولو رغماً عن عون وباسيل، ولن يصل إلى هذا القرار إلا إذا حصل تطور استثنائي. فالحزب لا يريد أن يخسر علاقته مع عون والتيار اللذين (حلبا صافي معه)، بل زايدا بتبنِّي قضايا الحزب ومواقفه وسياساته”.

ويتفهَّم الأمين “دفاع عون وباسيل عن موقفهما وأنهما لا يريدان لخصومهما أن يمسكا الوضع وإقصائهما، لكن لماذا عدم السعي لتشكيل حكومة مستقلين تماماً لا تسمِّي الأطراف السياسية أي وزير فيها، ويمكن لرئيس الجمهورية اليوم أن يدفع بهذا الاتجاه، وكما يحرجه خصومه ليُحرجهم بدوره؟”، لكنه يوضح أن “ذلك يعكس أنه في القضايا الاستراتيجية عون وباسيل لا يخرجان عن الدائرة التي يرسمها حزب الله، والصراع اليوم هو داخل الدائرة”.

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل