
لا تزال حلقات المنازلة الحكومية تتوالى فصولاً، بينما الدوران في الحلقة المفرغة على أشده. بين بعبدا من جهة وبيت الوسط وعين التينة من جهة ثانية، ضربات متبادلة واشتباكات على محاور البيانات، ما اعُتبر بمثابة إسقاطٍ لمبادرة رئيس مجلس النواب نبيه بري، التي ستطاول مفاعيلها السلبية حزب الله، الداعم الأساسي للمبادرة. حتى الساعة تفوح رائحة الفشل في ملف التشكيل، مع أجواء سُربّت الى الإعلام، تفيد بأن رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل أبلغ حزب الله برفضه مبادرة بري، فيما جزم الأخير بأنه لا يمكن البحث في اعتذار الرئيس المكلف سعد الحريري.
المراوحة القاتلة والأجواء السلبية التصاعدية، ترافقت مع معلومات تفيد بإمكان تحريك الثنائي الشيعي للشارع، كما تلقت بعبدا رسائل تحدثت عن مخطّط يتم الإعداد له لتحرّكات منظّمة على الأرض، الهدف منها ممارسة المزيد من الضغط على رئيس الجمهورية، قد يكون أبرزها إضراب الاتحاد العمّالي العام، اليوم الخميس.
عضو كتلة التنمية والتحرير قاسم هاشم، يرفض سيناريو تحريك الثنائي للشارع جملة وتفصيلاً، متهماً بعض العقول من المخربين باختراعه، ويؤكد في المقابل أن طريقة التعاطي بين الأفرقاء تتم وفق الأصول، وهذا ما تفرضه مصلحة البلد.
يرى، في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن إمكانية تشكيل الحكومة لا تزال قائمة، لكنّ المشكلة الأساسية تتعلق بمن يتحكم بمسارها، كمحاولة التفتيش عن تأمين بعض المكاسب الحالية والمحافظة على أخرى سابقة. وإذ يطالب من يعنيهم الأمر، بالتحلي بالحسّ الوطني والتنبه الى مأساة اللبنانيين والقهر والإذلال في حياتهم اليومية، ينصحهم بالتخلي عن الأنانيات والمصالح والمكاسب، بالرجوع الى الأصول الدستورية والتوازن الوطني. يضيف، “سيحكم الشعب في النهاية على أداء وممارسة من يحكم”.
يرفض هاشم القول إن “التنمية والتحرير” يشارك في حرب بيانات على بعبدا وميرنا الشالوحي، مؤكداً أن ما حصل لا يعنيهم، لأنهم أكثر المتمسكين بالدستور والأصول وحماية البلد. ويذكّر في المقابل، بدور بري الإنقاذي وتعويل أكثرية القوى السياسية عليه، لا سيما في مبادرته الأخيرة التي اقر الجميع بأنها ستكون الفرصة الأخيرة أمام اللبنانيين، مضيفاً، “لكلٍ الحق أن يقول ما يقول، لكن الحقيقة في مكان آخر وألسنة الناس سيوف الحق”.
في المقابل، تشدد مصادر سياسية متابعة على وجوب التمييز بين أمرين أساسيين، استخدام الشارع للضغط من أجل تشكيل الحكومة، وتحريكه في مواجهة طرف محدد ما.
وترى، في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن الضغط بالشارع واستخدامه بوجه الجميع كوسيلة ضغط لتشكيل الحكومة سيكون على غرار اللعب بسعر الدولار وارتفاعه الذي يتم على هذا الأساس أيضاً، مشددة على أن الأمرين يحصلان بالتوازي على الشكل التالي، “ارتفاع الدولار من جهة وفوران الشارع من جهة أخرى بهدف الضغط لتشكيل حكومة، فتحصل صدامات ومواجهات من دون أن تكون موجهة الى أحد”.
تتوقف عند امكان استخدام الشارع في مواجهة طرف محدد ما، مذكرة بأن الثنائي الشيعي الذي يضع يده بشكل أو بآخر على حركة الاتحاد العمالي العام، بإمكانه استخدام هذه الورقة لتسريع التأليف، خصوصاً أنه معني بذلك، بعدما بتنا نتحدث عن مبادرة “بِريّة” لا فرنسية، لافتاً الى أن رئيس المجلس النواب كما حزب الله، باتا معنيان بالتكافل والتضامن في مسألة التأليف.
وتشدد المصادر على أن بري يعتبر نفسه مستهدفاً اليوم وقد تلقى ضربة معنوية قاسية، لأن مبادرته لم تتحقق وأُظهِر كأنه غير مؤثر في الحياة الوطنية. من هذا المنطلق، ربما يستخدم مع حزب الله الشارع للضغط باتجاه تشكيل الحكومة، لأن خلاف ذلك يعرضه لانتكاسة سياسية كبيرة في بيئته كما في الحياة السياسية العامة، إنما بشكل موجّه جداً.
وتعتبر أن لكل من الثنائي، ارتباطاته وتحالفاته وأولوياته، مؤكدة أن حزب الله وبري ليسا في وارد الصدام مع الحالة السنية ويعتبراها قريبة منهما، بدليل أن الحريري يقول “أنا ونبيه بري شخص واحد”، وهذا التلاحم يحصل للمرة الأولى بين الاثنين على الرغم من التحالف الدائم بين ثلاثي جنبلاط ـ بري ـ الحريري، سائلة، “ما الهدف من استفزاز الشارع السني”؟ في المقابل، تعتبر المصادر أن العهد ممثلاً برئيس الجمهورية والنائب جبران باسيل، يعيش حالة استنفار دائمة لأنه يرى أن حزب الله يقف على مسافة واحدة من الحريري ومنه، فيما يريد ان يكون الحزب معه ضد الرئيس المكلف.
وتشير الى أن الحزب لن ينزلق إلى الأوهام العونية، لأن لديه اعتباراته التي تبدأ من الوضع السني ولا تنتهي بخشيته من الفتنة، وبينهما المفاوضات الإيرانية ـ السعودية التي بدأت بشكل ما، مؤكدة أنه كما لا يريد الصدام مع الشارع السني، فهو لن يتخلى عن تحالفه مع عون على الرغم من تراجع الأخير في الساحة المسيحية، إلا أنه لا يزال يؤمن الغطاء المسيحي لسلاحه ودوره، فضلاً عن أن موقع رئاسة الجمهورية يعطيه الإطار الرسمي.
وتسأل المصادر، “بوجه من سينزل الثنائي إلى الشارع، ضد حليفه الاستراتيجي ميشال عون أو حليفه التكتيكي سعد الحريري، وبالتالي لماذا يريد أن يحرك شارعه، ليصطدم بالجمهور العوني أو ليتواجه مع الحريرية؟ “قطعاً لا”. وتجزم بأن الثنائي وإن ذهب الى خيار الشارع فهو للضغط على الجميع من أجل تسريع التأليف والا ستكون الأمور مرشحة إلى مزيد من الانزلاقات الخطيرة.
