
لقد شهدت الآونة الأخيرة تدهوراً ملحوظاً وخطيراً لسعر صرف العملة الوطنية مقابل الدولار الأميركي ترافق مع تأزمٍ سياسي وإجتماعي ينذر بالأسوأ. وقد تزامن هذا التدهور مع صدور التعميم الأساسي رقم 158 تاريخ 8/6/2021 عن حاكمية مصرف لبنان الذي كان يهدف حسب أسبابه الموجبة إلى لجم التدهور وإراحة المودعين وإعادة الثقة في القطاع المصرفي ناهيك عن إعادة تسديد تدريجي للودائع بالعملات الأجنبية المكونة في الحسابات المفتوحة قبل 31/10/2019. وكما جرت العادة، بعيد صدور كل تعميم مماثل بالأهمية والأهداف، على غرار التعاميم الأساسية السابقة رقم 150/151 و154، “جرت الرياح بما لا تشتهي السفن”، ومنذ تاريخ صدور التعميم الأخير 158، أي في غضون بضعة أيام فقط، تخطت نسبة إنخفاض الليرة 20% دفعةً واحدة.
إزاء هذا الواقع المرير بعد مضي ما يزيد عن ثمانية عشر شهراً من المراوحة والثبات الهادم من قبل المسؤولين، وتحسباً لما سوف يستجد من تطورات دراماتكية مصيرية وإنهيار كلي لا تحمد عقباه على كافة الصعد، تدعو لجنة الخبراء الموقعين أدناه، العاملين منذ حين فردياً وجماعياً على وضع دراسات إستراتجية وتصورات إصلاحية إنقاذية تشكل أرضية صلبة، للتفاوض والبحث الجدي وبالتالي لإجتراح حلول عملية وموضوعية موحدة وكفيلة بإعادة التوازن المالي لإطلاق عجلة الإقتصاد كما ولإعادة الثقة مع السهر على تأمين شبكة أمان إجتماعية للتصدي للإرتدادات المنتظرة. ومن هذا المنطلق يُطلب اليوم قبل الغد، من جميع السياسيين والماليين المعنيين، القيام بأدنى واجباتهم لجهة تأمين مصالح المواطنين وحسن سير المرفق العام في ما خصّ كل سلطة وإدارة وفقاً لإختصاصها ومسؤولياتها الدستورية بحيث:
أ- تقلع السلطة التنفيذية عن التذّرع بأحكام البند 2 من المادة 64 من الدستور لجهة الإمتناع عن عقد جلسات لمجلس الوزراء وإتخاذ قرارات تنظيمية ضرورية بحجّة “حصر ممارسة الحكومة لصلاحياتها بعد استقالتها بما يدخل ضمن المعنى الضيق لتصريف الأعمال”؛ مع العلم أن هذا منافي للعرف والإجتهاد والدستور نفسه عندما تكون القرارات الواجب إاتخاذها إستثنائية ومصيرية تساهم في تحسين الأوضاع الإجتماعية والإقتصادية المزرية، كما هي الحال في الوقت الراهن، تندرج بطبيعتها ضمن ما يُسمى بتسيير المرفق العام وذلك، تحت طائلة التخاذل والمساءلة والتقاعس عن المسؤولية والخيانة العظمى.
ب- يقوم المصرف المركزي بواجباته ومهامه دون تقصير أو مواربة أو تخطي أو تجاوز لصلاحياته مع الإلتزام بأحكام المواد 70 و71 و175 من قانون النقد والتسليف لجهة المحافظة على النقد وحماية الاستقرار الاقتصادي والمحافظة على سلامة أوضاع النظام المصرفي بتطبيق القوانين النافذة وإعادة هيكلته وتأمين حسن علاقة المصارف بمودعيها وعملائها وتحديد قواعد تسيير العمل التي على المصارف أن تتقيد بها من أجل إعادة تكوين سيولتها وملاءتها؛ دون التهرب من تطبيق تلك القوانين والتساهل مع النافذين والمنتفعين؛ ناهيك عن الإستسهال، كما درجت العادة في الآونة الأخيرة، في إستصدار تعاميم غير منسقة وغير مترابطة وغير مبنية على سياسة شاملة واضحة المعالم وموحدة الأهداف تؤدي بالنتيجة (كما حذّر منه صندوق النقد الدولي) إلى نتائج عكسية وسيما إلى تدهور القوة الشرائية وسيما مع تعدد أسعار الصرف المعتمدة. هذا، ويتعيّن على المصرف المركزي أيضاً تأمين أساس نمو اقتصادي وتنمية اجتماعية والتعاون مع الحكومة وتقديم لها كل مشورة تتعلق بالسياسة النقدية والاقتصادية بغية تأمين الانسجام الاوفر بين مهمته وأهداف الحكومة المالية والإقتصادية والإجتماعية.
ت- تباشر السلطة التشريعية بتحّمل مسؤولياتها من حيث القيام بواجباتها تجاه المواطنين التي تمثّل والتحسس لمشاكلهم ومآسيهم وتعمل على تسريع تشكيل حكومة إنقاذية مستقلة تتضمّن إختصاصيين وتمنحها الثقة وتعطيها أوسع الصلاحيات لوضع برنامج إصلاحي متكامل والتفاوض على أساسه مع المقرضين وصندوق النقد الدولي، لا الإكتفاء بطروحات شعبوية غير علمية وحلول مجتزأة غير مدروسة تفاقم المشكلة بدلاً من حلها والهروب من تحمّل المسؤولية.
ث- تتفلت السلطة القضائية من قيودها وهواجسها ومخاوفها وتستعيد هيبتها وحياديتها وإستقلاليتها بقول الحق وإنصاف صاحبه دون مواربة أو تراجع أو تأخير.
لقد آن الأوان للتحرك المجدي والضغط الجدي للخروج من هذا النفق القاتل ومساءلة المسؤولين، على إختلاف فئاتهم وإنتماءاتهم، على قلَة درايتهم وسوء إدارتهم وتقاعسهم عن القيام بمسؤولياتهم وفشلهم في إدارة المال العام وتطوير الإقتصاد كما وفي تحقيق إعادة توزيع اكثر عدالة للدخل القومي على صعيد مجمل المجتمع اللبناني؛ ناهيك عن تأمين الارتقاء والرفاه الاجتماعي في سبيل الولوج إلى اقتصاد منتج وتنمية مستدامة. وعليه، باتت الحاجة ملحّة لسلطة جديدة قادرة ونزيهة تؤسّس لرؤية اقتصاديّة منتجة متكاملة متماسكة ومترابطة، مع خطة اقتصادية ومالية إنقاذية فعّالة تتضمّن مجموعةً من السياسات والقرارت الهادفة إلى التأثير الايجابي والسريع على ظروف البلد الإقتصّاديّة والإجتمّاعيّة كما وإلى تطبيق مبادىء الشفافية والمساءلة والمحاسبة والنزاهة لإعادة الثقة بالمؤسسات وتطبيق القوانين فعلاً وليس شكلاً.
وفي هذا السياق يدعو الموقعون أدناه جميع أصحاب الرأي الحر والهمة الوطنية الصادقة إلى التضامن والتعاضد والمساهمة، كل ضمن إمكانياته وإختصاصه، للضغط وجمع الإقتراحات لتوفّير رؤية شاملة وإعادة رسم السياسات والأوليات الاقتصاديّة التي تراعي اهتمامات المواطن وتتماشى مع نموذج إقتصاديّ عصري مسؤول وفعال. هذا، ويُطلب بالموازاة من السؤولين الإقلاع عن الحلول المجتزأة غير المدروسة وغير الواقعية والهادفة إلى كسب الوقت وذرّ الرماد في العيون وإعتماد بدلاً من ذلك، رؤية إقتصادية متكاملة ومحددة المعالم تهدف، حقاً ولا قولاً، إلى احترام المواطنين من خلال مراعاة هواجسهم واحتياجاتهم الحياتية والإجتماعية في سبيل إبرام عقد إجتماعي جديد ضمن وطن حاضن لكل أبنائه.
وإلا فإن أي تأخرّ أو تأخير في الحدّ من الإنهيار سوف يؤدي لا محال إلى التضخم المفرط الذي يستتبع العجز الكلي للخروج من المأزق دون تكبّد أضرار فادحة وخسائر نهائية غير قابلة للتعويض على كافة الأصعدة لا سيما بالنسبة لحقوق المودعين والمواطنين على حدٍ سواء.
وإذ يضع الخبراء الموقعون أدناه كل قدراتهم وطاقاتهم ودراساتهم وأفكارهم في خدمة المجتمع اللبناني، يدعون كل من الدولة اللبنانية والمصرف المركزي والقطاع المصرفي إلى جلسات نقاش مفتوحة مع كل الأفرقاء وسيما الخبراء منهم بغية تحديد المسار وإتخاذ إجراءات سريعة وحاسمة لوقف تدهور سعر الصرف وتفادي التضخم المفرط، الذي يقضي على القوة الشرائية خاصة للشرائح المهمشة كما ولوضع خطة نقدية-مالية إنقاذية توزع الخسائر بصورة عادلة وموضوعية وضمن معايير الحوكمة الرشيدة.
روي بدارو
منصور بطيش
زياد حايك
هنري شاوول
نيكولا شيخاني
كريم ضاهر