المجزرة الأرمنية خارطة جيوبوليتيك مستمرة

كتب سيمون قره بتيان في “المسيرة” – العدد 1717

كانت سهرة ممتعة بوجود كبار الضباط الأتراك تتخللها الموسيقى الراقية والعزف على البيانو والطعام الأرمني الشهي. استمرت السهرة حتى ساعات الفجر الأولى حيث غادر المدعوون والفرحة تغمرهم كالعادة. صباح اليوم التالي طُرق الباب بصورة عنيفة، فركض صاحب المنزل وفتح الباب وإذ به أمام صديقه الضابط التركي مندهشًا من سرعة عودته، ترافقه قوة عسكرية كبيرة، اقترب منه الضابط وطلب منه مسامحته… وبدأت سلسلة المجازر المبرمجة التي أبادت مليون ونصف مليون أرمني.

في التقارير الواردة الى وزارة الخارجية البريطانية أن الخطة وضعها وزير الحربية آنذاك أنور باشا بالاتفاق مع طلعت باشا، وتقضي بإفراغ الدولة من الأقليات المسيحية وذلك بعد دخول الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى.

كثرت التحليلات حول أسباب ارتكاب أول وأكبر مجزرة في القرن المنصرم، منهم من ردها لأسباب دينية في ظل سياسة التتريك التي انتهجتها السلطة العثمانية ضد كل من هو غير تركي من رعايا الإمبراطورية العثمانية، ومنهم من ردها الى دعم المحور الروسي. أيًا تكن الأسباب، النتيجة كانت واحدة وهي محاولة إلغاء شعب بكامله. واكتفى سفراء الدول الأوروبية برفع التقارير بحيث مبدأ التدخل الإنساني الذي بات يشكل جوهر برنامج الأمم المتحدة اليوم، لم يكن معروفاً ولا محترماً آنذاك.

بعد مرور مئة وستة أعوام على المجزرة، وفي ظل الإنكار المستمر للدولة التركية، وإصرار الجاليات الأرمنية المنتشرة في أصقاع العالم على المطالبة بحقها بالإعتراف واسترداد الأراضي المحتلة في ما يُعرف بأرمينيا الغربية التي ضمتها تركيا الى أراضيها وتم الإعتراف بها دوليا كجزء من الأراضي التركية، بالإضافة الى لواء الإسكندرون الذي سلخ من سوريا وضم الى تركيا الأتاتوركية .

ولكن مع ما نشهده من تطورات جيوبوليتكية في المنطقة، وبعد أفول الحكم العلماني في تركيا واستبداله بحكم يحاول إستعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية في المنطقة، ومع ما ارتُكب من مجازر مماثلة لمجازر القرن المنصرم بحق مسيحيي العراق وسوريا على يد الدولة الإسلامية في الشام والعراق، يبقى السؤال: هل سيبقى مصير الأقليات في هذه المنطقة مهدداً بصورة مستمرة ومن الأطراف نفسها؟ وهل المطلوب إنشاء مجتمعات من لون واحد داخل دول المنطقة، أم الهدف تقسيمها الى دويلات عرقية وطائفية تشبّهًا باسرائيل الموجودة على تخومها؟ واستطرادا هل ما أصاب مسيحيي لبنان من وهن وخوف على الوجود مرتبط بالمخطط المرسوم والمدبَّر لإضعافهم تمهيدا لتغيير الجغرافيا السياسية في المنطقة بأسرها ؟

لندع المستقبل يجيبنا عن هذه التساؤلات ونراقب الأحداث والتطورات متشبثين بأرض الأجداد.

 

سيمون قره بتيان – باحث سياسي

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل