بين الأهل والتلميذ التواصل مقطوع إلَّا إذا

كتبت د.ريما بجاني في “المسيرة” – العدد 1717

جائحة التعلُّم عن بعد كيف نتعامل معها؟!

بين الأهل والتلميذ التواصل مقطوع إلَّا إذا

 

أدخلت جائحة كورونا التغييرات الكثيرة على نمط حياتنا، منها ما كان إيجابيًا على رغم الخطر والخوف، ومنها ما كان سلبيًا وتطلب جهدًا وتعبًا لمعرفة كيفية تخطيه.

من هذه التغيّرات المهمة سنتطرق اليوم، ومن الناحية النفسية، إلى موضوع التعلُّم عن بُعد الذي فرضته الجائحة على سلوك التلاميذ والأهل والمستوى التعليمي.

تُعتبر مرحلة الدراسة من المحطات الحياتية المهمة، إذ إنها تدخل بطريقة مباشرة في تكوين شخصية التلميذ في المراحل العمرية كافة، وتساهم في تكوين شخصيته ليكون بعد ذلك الإنسان الناضج في مجتمعه.

المكوّنات الأساسية لبناء الشخصية في مرحلة الدراسة هي الحياة الاجتماعية و interaction مع الأصدقاء. ومعلوم أن هذا الإنجاز وتطوّره لا يخلو من الجهد، خصوصًا إذا أخذنا في الإعتبار الشخصية بحد ذاتها من خلال تربية الأهل والقدرة على تنمية القدرات. ومن ثم القلق والقدرة على الفهم وإنجاز الفروض…

من هذا المنطلق سنحاول في مرحلة أولى ومن خلال بعض الأفكار الإضاءة على عدد من السلبيات التي فرضتها كورونا من خلال التعلُّم عن بُعد وكيفية إيجاد الحلول لها.

١- أبرز سلبيات التعلُّم عن بُعد هو عدم القدرة على التطوّر بالحياة الإجتماعية التي هي كما قلنا سابقاً من الأمور الأساسية المهمة في حياة التلميذ، بالتوازي مع العلم والمعرفة. فالمدرسة هي المكان الأول حيث ننطلق بحياتنا الإجتماعية ونكتسب الذكاء الإجتماعي والتخاطب في المجتمع، مما يسمح لنا بتطويره تباعًا. هذه الخاصية فُقدت في ظل التعلُّم عن بُعد، وأسوأ من ذلك، جعلنا نتقوقع أكثر على ذاتنا. واللافت أن هذا الواقع كان مصدر طاقة وجاء ليضفي على الأولاد الذين لا يحبذون التخالط أجواء راحة.

 

الحلول المطروحة بحسب علم النفس:

التوقف عن التكلم عن نقطة التباعد الإجتماعي، والتكلم أكثر عن التباعد الجسدي. وحثّ الأولاد، خصوصًا منهم في مرحلة المراهقة التي تُعتبر مرحلة دقيقة في التأقلم مع الآخر، على تفعيل حياتهم الإجتماعية وإن من خلال طرق غير تقليدية.

2- الجلوس أمام الشاشة لوقت طويل يسبب الخمول وفي بعض الأحيان عدم القدرة على التركيز.

تنمي خاصية الذهاب إلى المدرسة والتفاعل مع التلاميذ في الصف ومع الأستاذ القدرة على التركيز والفهم أكثر. وهذا ما ولّد القلق لدى غالبية التلاميذ والأهل الذين باتوا يخشون على مستوى أولادهم التعليمي بسبب عدم إكتسابهم المعلومات والمعرفة المطلوبة منهم.

والمعلوم أن بعض التلاميذ يعتمدون على الأستاذ في التركيز والشرح بسبب إفراطهم في الحركة وعدم التركيز، مما يولّد قلقاً عند الأستاذ ويتطّلب منه مجهودًا كبيرًا للتأكد من وصول المعلومات بطريقة جيدة من خلال الشاشة، والتأكد أن الجميع فهم واستطاع إيصال الرسالة.

الحلول المطروحة لهذه المشكلة: العمل على السيطرة على القلق الجماعي إن صح التعبير: الأهل – الأولاد – المعلمين، إذ إن القلق يمنعنا من العمل بإيجابية وإنتاجية. على الجميع أن يعملوا بحسب الظروف وأن يساعدوا أولادهم على العمل على إظهار أحسن ما عندهم وليس كل ما عندهم، لأنهم يعيشون نفس قلق الأهل والمجتمع. من هنا المطلوب مساعدتهم على تخطي القلق من خلال الثقة بقدراتهم وبالمعرفة التي اكتسبوها والتي سيتابعون اكتسابها.

3- التغيير في النمط المتَّبع والمتعارف عليه يسبب حالاً من التراخي في الإنضباط. كمثل ارتداء الملابس، والخروج من البيت، وتقسيم الأوقات… ويشكل الإنضباط   discipline  عاملاً أساسيًا ومؤثرًا على الصحة النفسية، طبعا  ضمن القواعد والمنطق، فنجد أنفسنا مجبرين على تغييرها، مثلاً وجد الأهل أنفسهم غير قادرين في بعض الأحيان على الحفاظ على النظام بسبب الظروف المستجدة، وغير قادرين على التفكير بطريقة سريعة ومغايرة.

الحل: للعمل على الحد من القلق المستجد، من الأساسي أن نحافظ أقله على الأمور النظامية الأساسية. كالخروج من السرير صباحًا، وارتداء الملابس الملائمة للمدرسة، والقيام بالحركة بين حصةٍ وأخرى، وتنظيم أوقات الدرس والفروض المدرسية، والأكل بطريقة صحية… أمور بدهية تخلّينا عنها وأدت الى بروز مشاكل في نمط التفكير والتصرف.

4- مشكلة التعلُّم عن بُعد كان لها خاصية مهمة في لبنان، إذ إن أغلبية المدارس لم تكن قد أدمجت التكنولوجيا في برامج التدريس، ووجد بعض الأساتذة أنفسهم أمام معضلة التعامل مع الوسائل الإلكترونية وكل ما يترتب عنها من مشاكل التواصل،  وحتى إيجاد الآلية للعمل، خصوصًا في ظل الأزمات الاقتصادية التي يمر بها لبنان. فالأزمات في حد ذاتها مصدر أساسي للضغوط النفسية والقلق، وقد تصل بنا الأمور في بعض الأحيان إلى ضغوط نفسية تستمر حتى بعد زوال المسبّب، والتي هي في هذه الحالة جائحة كورونا.

الحل: نتكلم دائمًا عما يُسمّى المرونة، والتي هي من أهم المكوّنات النفسية التي تساعدنا في الظروف الصعبة على إيجاد الحلول، مهما كانت صعبة، بدل الغوص في المشكلة. وبذلك نستطيع أن ننمي الفكر الإيجابي مما يساعدنا على البحث دائما عن حلول.

5- إصابة الثقة بالنفس والقدرة على أن نكون على المستوى المطلوب بالضعف عند بعض الطلاب، إذ وجدوا أنفسهم غير قادرين على التأقلم في النمط الجديد بسبب الأمور التي عددناها سابقا (القلق، ضغط الأهل، الخمول، عدم القدرة على التركيز، الخوف من عدم اكتساب المعلومات…) مما كان له الأثر السلبي والمباشر على التعلُّم.

الحل: في الظروف الإستثنائية نتوجه إلى الحلول الإستثنائية. فالمعلومات تتكرر، المهم أن نفهم الأمور الأساسية التي نحتاج إليها في الأعوام المقبلة. ولأن الظرف إستثنائي، علينا أخذ الأمور في المنحى العام وليس الشخصي. مما يساعدنا على الحفاظ على ثقتنا بالنفس وهي الأهم في هذا المجال.

6- التعلُّم عن بعد حمّل الأهل مسؤولية لم تكن أبدأ في الحسبان وزادت في نسبة القلق، وتتمثل في عامل الإنضباط خلال الحصص، والتأكد من المتابعة، وكانت في بعض الأوقات زائدة عن اللزوم وجعلت الأولاد غير مرتاحين في هذا التطوّر. فالأهل عادة غير موجودين في الصف مع الأولاد، وهي فسحة تحرّر و تطوّر نحو الإستقلالية والإعتماد على الذات.

الحل: على الأهل أن يقدِّروا هذا الوقت الذي يجب أن يكون للأولاد وحدهم من خلال ضبط قلقهم وخوفهم على الأولاد وافتراض أن وجودهم معهم خلال التعلُّم عن بُعد ضروري، وأن يحيطوا ولادهم بطريقة إيجابية وأن يكونوا موجودين كسند عند اللزوم، لطلب المساعدة إن كانوا بحاجة إليها.

كل الصعاب هي مرحلية، مهما طالت ستنتهي في النهاية. إستفيدوا من كل الأمور والمشاكل لبناء شخصيتكم ومساعدة أولادكم على التعلُّم واكتساب الخبرات، وبذلك نساهم في بناء صحة نفسية جيدة.

 

ريما بجاني – محلّلة نفسيّة عياديّة ورئيسة دائرة المحلّلين والمعالجين النفسيين في حزب «القوات اللبنانية»

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل