لماذا يتوجب على واشنطن مواصلة دعم الجيش اللبناني؟

إذا أردتَ أن تشرح لأي شخص ما الذي يقصده الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز بعبارة “حالة حرب” فليس عليك سوى أن تحيله إلى أوضاع لبنان خلال الحرب الأهلية سنة 1982.

بمثل هذا التصريح يستهل بلال صعب الكاتب ومدير برنامج الدفاع والأمن في معهد الشرق الأوسط تقريره لمجلة فورين بوليسي الذي يعيد من خلاله تسليط الضوء على أهمية مواصلة الولايات المتحدة دعمها للجيش اللبناني بوصفه المؤسسة الوحيدة المتبقية في البلاد التي يُمكن أن تظل شريكًا ممكنًا في بلد على حافة الهاوية ويعاني من أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخه.

ويستحضر صعب كيف انتشرت أثناء الحرب الأهلية في جميع أنحاء البلاد آنذاك عمليات القتل الطائفي، ووصلت الدبابات الإسرائيلية إلى مشارف العاصمة اللبنانية بيروت، وطوَّقت القيادة الفلسطينية وزعيمها آنذاك ياسر عرفات ومقاتليه، بالإضافة إلى أنه كانت لسوريا قوات مقاتلة في الأراضي اللبنانية، وكانت إيران تُدرِّب الإرهابيين في سهل البقاع وتستعد لإطلاق جماعة حزب الله، وقد فقد لبنان وقتئذ أي مظهر من مظاهر السيادة أو النظام.

وفيما تصوَّرت الولايات المتحدة أنه بمقدورها إعادة بناء الجيش اللبناني في ظل هذه الحرب الهوبزية (نسبة إلى الفيلسوف توماس هوبز) والتي أدَّت إلى “حرب الجميع ضد الجميع”، إلا أن هذه الجهود فشلت، وبلغ الفشل ذروته – كما كان متوقعًا – عند انسحاب القوات الأميركية في عام 1984 في أعقاب الهجمات المميتة والتفجيرات التي نفَّذتها جماعات شيعية لبنانية موالية لإيران ضد أفراد أميركيين.

وأبرز الكاتب أن الدافع الأميركي لإعادة بناء الجيش اللبناني وترميمه في عام 1982 كان مدفوعًا بشيء أكثر أهمية والذي استنبطه ليزلي براون المسؤول في وزارة الخارجية الأميركية عن شؤون لبنان في ذلك الوقت بصورة رائعة.

وذكر براون لصحيفة نيويورك تايمز عام 1984 “لم يكن لدينا أي خيار، كان المفهوم أن نجاح العملية الأميركية في لبنان يعتمد بالكامل على نجاحنا في إعادة بناء الجيش اللبناني”.

واليوم وبعد مرور نحو أربعة عقود تقريبًا تجد واشنطن نفسها من جديد في الوضع نفسه وفي حاجة إلى المنطق نفسه في التعاطي مع الأزمة اللبنانية. لكن الشيء الوحيد الذي تغير حسب صعب هو أن لبنان اليوم في حالة أسوأ بكثير من أي وقت مضى.

جيش منهك

تؤكد أوساط سياسية أنه يجب الرهان على دور الجيش في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، لكن قبل الالتجاء إليه كمنقذ للبلد، يتطلب ذلك تقديم دعم له في ظل ما يعانيه من إنهاك اقتصاديا وماليا ومعنويا.

ويمر الجيش اللبناني بظروف صعبة أسوة بباقي اللبنانيين على خلفية تدهور الوضع المالي والاقتصادي للبلاد والذي بلغ مستويات خطيرة، ودفع ذلك الدول الغربية إلى التحرك لدعمه، حيث أنه الرافعة الوحيدة التي ما تزال تبقي لبنان صامدا. وأفادت مصادر من داخل المؤسسة الدفاعية الفرنسية “منذ أشهر عدة يواجه الجيش اللبناني صعوبات في تأمين حاجاته الأساسية” المتعلقة بالغذاء وصيانة العتاد، مضيفة “ما يزيد من خطورة المشكلة هو أن الجيش اللبناني مؤسسة أساسية تحول دون تدهور الوضع الأمني في البلاد بشكل كبير”.

ونشرت صحيفة ديلي تليغراف تقريرا لمراسلها في الشرق الأوسط كامبل ماكديارميد بعنوان “يمكن للجيش اللبناني أن يمنع الانهيار الكامل للبلاد – إذا استطاع الاستمرار في إطعام جنوده”. ويقول التقرير إنه “وسط انهيار اقتصادي مدمر في لبنان لم يعد الجيش قادرا على إطعام جنوده اللحوم”.

وأوضح ماكديارميد أن مؤتمرا دوليا انعقد هذا الأسبوع “سعى للحصول على تبرعات من المواد الغذائية للجيش اللبناني، إلى جانب الإمدادات الطبية وقطع غيار المعدات الطبية والوقود”.

وأضاف أنه “وسط التضخم المفرط وانقطاع الكهرباء ونقص الوقود والغذاء في لبنان، لم يكن السياسيون اللبنانيون مستعدين لتنفيذ الإصلاحات، تاركين الجيش اللبناني كواحد من المؤسسات القليلة في البلد المحاصر التي تتمتع بدعم واسع نسبيا”.

وكشف التقرير أن تحذير قائد الجيش جوزيف عون الأخير من أن الجنود “يعانون وجوعى” مثل بقية السكان، أثار مخاوف من أن الانهيار قد ينذر بالانزلاق إلى الهاوية. وذكر الكاتب في هذا الإطار بأن انقسام الجيش اللبناني على أسس طائفية في وقت مبكر من الحرب الأهلية (1975 – 1990) أدى إلى حكم الميليشيات.

ويأتي ذلك في الوقت الذي أحجمت فيه الحكومات الأجنبية عن توجيه المساعدات من خلال حكومة عرفت على نطاق واسع بأنها غير فعالة وفاسدة. وأشار الكاتب إلى قول عون إن لبنان يواجه عواقب وخيمة إذا استمرت الأزمة، مضيفا “كيف يمكن لجندي أن يعيل أسرة براتب لا يتجاوز 90 دولاراً؟”. وأضاف “إذا لم يتم تخفيفها فإن الأزمة الاقتصادية والمالية ستؤدي حتما إلى انهيار جميع مؤسسات الدولة بما في ذلك الجيش اللبناني الذي يعد العمود الفقري للبلد”.

وتحذر أوساط لبنانية من إمكانية أن يدفع الوضع المأزوم إلى فرار الجنود وتفكك المؤسسة، وقد سجلت بعض الحالات، بيد أن الأمر لا يزال تحت السيطرة.

شريك مهم

تخشى الولايات المتحدة من أن يؤدي تدهور وضع الجيش إلى تعزيز تموضع ميليشيا حزب الله التي باتت تشكل جيشا موازيا من حيث عدد عناصرها وحجم التسليح، لا بل أن الأوساط الاستخبارية تجمع بأن حزب الله يملك من العتاد ما يفوق قدرات الجيش في الوقت الذي تغرق فيه الحكومة في الفساد والمحاصصة.

وفي تقدير صعب لا تستطيع واشنطن العمل مع القياديين السياسيين في لبنان، لأنهم أثبتوا مرارًا وتكرارًا جشعهم وفسادهم، وأنهم غير جديرين بمناصبهم ولا يبالون كثيرًا بمحنة الشعب اللبناني الشديدة، بالإضافة إلى أنهم أنفسهم هم الذين يسيطرون على حكم البلاد منذ عقود وأذاقُوها ويلات الخراب.

بعد مرور نحو أربعة عقود تقريبًا تجد واشنطن نفسها من جديد في الوضع نفسه وفي حاجة إلى المنطق نفسه في التعاطي مع الأزمة اللبنانية

وفيما أقر صعب بأن “المجتمع المدني اللبناني يمنحنا بعض الأمل” لكنه لا يزال ضعيفًا وممزقًا. وبالنسبة إلى الولايات المتحدة يبقى الجيش اللبناني شريكًا مهمًّا لأنه المؤسسة الوحيدة المتبقية التي تُمثل جميع الطوائف اللبنانية، والمؤسسة القادرة على القيام بمهامها على الرغم من الانهيار الاقتصادي الوطني.

وتمارس واشنطن قدرًا لا بأس به من النفوذ على الجيش اللبناني لأنه يعتمد على دعمها ورعايتها من أجل الاستمرار والبقاء. ويلفت إلى أن عدم وجود بدائل أخرى لا يعني بطبيعة الحال أن تمنح الولايات المتحدة الجيش اللبناني صكّا على بياض أو لا تهتم بعوائد استثماراتها. ومن حسن الحظ، أن هذه العائدات كانت تحقق أرقامًا جيدة جدًّا.

ويعتقد صعب أن شراكة الولايات المتحدة مع الجيش اللبناني والتي دامت لأكثر من عقد أثمرت نتائج أكثر تأثيرًا من نتائج أي برنامج مساعدة عسكرية أميركي آخر في منطقة الشرق الأوسط، على الرغم من التحديات الهيكلية ومعضلة الفساد.

ونجح الجيش اللبناني بالاعتماد على المعدات وتمويل الولايات المتحدة وما تقدمه من مشورة في التحول من مجرد جيش متهالك يسخر منه أقرانه في المنطقة إلى جيش محترف يحترمه المجتمع اللبناني ويستطيع التصدي لنفوذ حزب الله.

المسؤولون الأميركيون لا ينبغي أن يلقوا باللوم على الجيش اللبناني لعدم قيامه بما يكفي لاحتواء حزب الله، بل يجب عليهم محاسبة جميع السياسيين  اللبنانيين

المسؤولون الأميركيون لا ينبغي أن يلقوا باللوم على الجيش اللبناني لعدم قيامه بما يكفي لاحتواء حزب الله، بل يجب عليهم محاسبة جميع السياسيين اللبنانيين

وقد تمكن الجيش من فرض سيطرته على الحدود مع سوريا على نحو أفضل من ذي قبل، ومكافحة الإرهابيين الممولين من تجارة المخدرات، والتصدي للجماعات الجهادية التابعة للسنة في شمال البلاد، بالإضافة إلى انتشاره على طول الحدود الجنوبية التي تُسيطر عليها جماعة حزب الله.

واستدرك صعب “بطبيعة الحال، لم تكن الأمور على الوجه الأمثل، ويوجد كثير من الأمور التي يُمكن للجيش فعلها على نحو أفضل”. وبرأيه من أسباب رفض منتقدي المساعدة الأميركية للبنان هو أن الجيش اللبناني لا يُحدد مهامه الخاصة، إذ يُنفِّذ على غرار أي جيش نظامي آخر أوامر القيادة السياسية. لكن هذه القيادة عديمة الجدوى ومنقسمة.

كما لا تبدو النخبة الحاكمة في لبنان مستعدة لمعالجة أكبر مشكلة أمنية وهي الحالة المسلحة لحزب الله بدافع الخوف أو بدافع الاهتمام بالحفاظ على حقوقها السياسية والاقتصادية في النظام الحاكم.

وحسب صعب لا ينبغي أن يلقي المسؤولون الأميركيون باللوم على الجيش اللبناني لعدم قيامه بما يكفي لاحتواء حزب الله، وبدلًا من ذلك يجب عليهم محاسبة جميع السياسيين اللبنانيين.

تخشى الولايات المتحدة من أن يؤدي تدهور وضع الجيش إلى تعزيز تموضع ميليشيا حزب الله التي باتت تشكل جيشا موازيا من حيث عدد عناصرها وحجم التسليح

ويؤكد أنه لكي يصبح لبنان دولة حقيقية يجب نزع سلاح حزب الله، لكن الدفع بالجيش اللبناني إلى اتخاذ موقف أكثر عدوانية تجاه حزب الله خاصة من دون وجود إجماع مجتمعي على هذه القضية سيؤدي إلى تدمير الجيش ذاتيًّا.

وتبقى القضية الحقيقية التي تستحق إجراء مناقشة سياسية جادة بشأنها هي هل تتوقف الولايات المتحدة في يوم من الأيام عن دعمها المالي للجيش اللبناني أو تقلِّص من مساعداتها له إلى حد كبير؟ وإذا حدث ذلك فإن الولايات المتحدة ستفقِد نفوذها في لبنان، ولكن ما مدى أهمية ذلك؟ يجيب هنا صعب بالقول إن “التخلي عن دعم الجيش سيعزز من نفوذ إيران وروسيا”.

ويعتقد أن فقدان واشنطن موطئ قدم في لبنان يعني بالضرورة تسليم البلاد إلى إيران، وربما إلى روسيا التي تنتشر في سوريا المجاورة بقوة. وقد يسمح الجيش اللبناني الضعيف لتنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية (داعش) بالعودة إلى البلاد وإعادة تجميع صفوفهما على مستوى المنطقة.

ويستنتج صعب أن لهذه النتائج عواقب وخيمة على الولايات المتحدة. ولكن ما مدى استعداد واشنطن للتعامل مع لبنان بوصفه أولوية في ظل وجود كثير من المنافسين لها للسيطرة على لبنان؟

وختم صعب بالقول “إحجام النخبة الحاكمة في لبنان عن إصلاح البلاد وإنقاذها من الانهيار الكامل يزيد الأمور تعقيدًا على المسؤولين الأميركيين. ويبدو أن واشنطن اكتشفت في لبنان الوسائل، لكنها ربما لم تكتشف الغايات حتى الآن”.

 

المصدر:
العرب اللندنية

خبر عاجل