لبنانُ الكبيرُ وفلسفةُ تآلفِ الاختلاف

 

بعد مُضيّ ما يُنيفُ على خمسة أعوام على إعلان دولةِ لبنانَ الكبير، عيّنت حكومةُ أريستيد بريان Aristide Briand الصحافي والديبلوماسي هنري دي جوﭬنيل Henry de Jouvenel مفوضاً سامياً في 23 كانون الأول سنة 1925. منذ وصوله إلى لبنان، عمل جاهداً على تهدئة روع مكوّنات المجتمع اللبناني والوقوف على رأيها، وأطلق في السياق عينه ورشةَ كتابةِ دستورٍ للدولةِ الناشئة التي ستُعلن، بعد تبني الدستور الجديد في 23 أيار 1926، جمهوريةً لبنانيةً في الأول من أيلول من العام ذاته. وهكذا، في جوابهم على السؤال السادس «هل يكونُ التمثيلُ النيابي طائفياً أم لا ولماذا؟ «من مجموعة الأسئلة الأساسية التي أرسلها هنري دي جوﭬنيل إلى البطريركية المارونية، يُفنّد البطريرك الياس الحويك والأساقفةُ الموارنة في 8 كانون الثاني سنة 1926 الأسبابَ الموجبة لمطلبهم كما يلي: «إن البلادَ تتألفُ من طوائفَ مختلفة، وهذه الطوائفُ لا تختلفُ بعضُها عن بعض في العقيدة الدينية فقط، بل تختلفُ أيضاً في التقاليدِ والعاداتِ والأخلاقِ والرأي في الأمور الاجتماعية. فالانتخابُ على قاعدة الطائفية يمثِّلُ هذه الطوائفَ على نسبة معينة في ذلك المجلس، فتتعارفُ فيه وتتآلفُ ويُضحّي كلٌّ منها بشيءٍ من مطلبه بحكم الأخذ والعطاء، ويؤدّي ذلك تدريجياً إلى الامتزاج وتوحيد السياسة، حالُ كونِ إلغاءِ القاعدة الطائفية في الوقت الحاضر يُزيلُ التوازن، فتُرجَّحُ طائفةٌ على أخرى وينتجُ عن ذلك التحاسدُ والتباغض، ولذلك نرى أن يكونَ التمثيلُ طائفياً».

 

ما يُلفتُ القارئَ في هذا العرض المحبك الذي يجمع الإيجازَ إلى الاكتناز، هو أن البطريرك الحويك يقارب مسألةَ التنوّع والتعدّدية والفروقات في المجتمعات البشرية كمعطىً طبيعي. فهو لا يرى استهجاناً في ما تفرزه المعتقدات الدينية من تقاليدَ وعاداتٍ وأخلاقٍ وآراءٍ غيرِ متجانسة. فالعكسُ هو المستهجن. فهو يحترم حقَّ الاختلاف ويتمسك بالتالي به كحقّ مقدّس غيرِ خاضع لأيّ مساومة. إن تشديد البطريرك على الأهميّة القصوى لظاهرة التنوّع الثقافي والسلوكي في المجتمع ستتلقى دعماً كبيراً من الدراسات القيّمة التي سيضعها في نهاية القرن العشرين تشارلز تيلور Charles Taylor الفيلسوف الكنَدي والعالم في السياسة في مؤلَّفه الشهير Multiculturalism and “The Politics of Recognition” التعدّدية الثقافية وسياسة الاعتراف. فهو يقول بالنسبة إلى سياسة الاختلاف: «قبل نهاية القرن السابع عشر، لم يكن أحدٌ يفكر بأن التمايزات بين البشر تحمل مدلولاً معنوياً وشخصياً. إن هناك طريقةً خاصةً لكي أكونَ كائناً بشرياً، ألا وهي طريقتي أنا. إنني مدعوٌ إلى أن أعيش حياتي بهذه الطريقة، وليس بتقليد شخص آخر». وينتهي في تحاليله إلى إطلاق مبدأ الفرادة (le principe d’originalité) الذي يجب أن يرافقَ تكوينَ المجتمعات الديموقراطية ويؤطّرَ سياساتِها وبرامجَها التنموية. وفي السياق ذاته، تشدّد ماري غاي (Marie Gaille) في كتابها «ألمواطن»، على «أن كلَّ واحد منا إنما هو فريد من نوعه ولديه أمورٌ ما ليقولَها، ليس بمقدور أي شخص آخر أن يعلنَها. في مجتمع ديموقراطي، على الحكومة، وهي تعترف بالمساواة بين المواطنين، أن تعطي الجميعَ الفرصَ عينَها لتنمية الذات الحقيقية».

 

إن مبدأ الفرادة الذي أشبعه تشارلز تيلير دراسات ومقاربات ملهمة، يتمظهر في الحالة اللبنانية، بين شارع وشارع، بين حيّ وحيّ، بين قرية وقرية متجاورتين، وحتى ضمن القرية ذاتها وضمن الحيّ عينه. فالسعي إلى إلغاء الفروقات المجتمعية الطبيعية إنما هو عملٌ عنفي، قاهرٌ وظالم، لن يقوى، مهما طال الزمن، على الصمود أمام زحف نواميس الطبيعة القائمة حصراً وحكراً على التنوّع والتعدّدية. في آخر الأبحاث العلمية حول علم الوراثة، وأذكر منها كتابَ العالمِ الفرنسي ألبير جكار Albert Jacquard، يتبيّن بشكل لا يداخله لُبس أن كلّ كائن بشري هو فريد من نوعه، لم ترَ البشرية مثله من قبلُ ولن ترى مثيلاً له من بعد. إن تشديد البطريرك الحويك على ضرورة حماية الذاتيّات والخصوصيّات لكلّ المكوّنات اللبنانية في مشروع دولة لبنان الكبير كان يتزخّمُ من عمق التاريخ المديد لهذه البقعة الجغرافية، منذ الفينيقيين وحرصهم الشديد على الخصوصيات والحفاظ عليها في ممالكَ صغيرة، ضمن وحدة الشعب والأرض في لامركزية إدارية كاملة، مروراً بنظام القائمقاميّتين الذي اقترحه وزيرُ خارجية النمسا ومستشارها الأمير فون ميترنيخ (von Metternich) وشدّد على التمثيل الطائفي للمرة الأولى نظراً لطبيعة المجتمع اللبناني، ووصولاً إلى بروتوكول المتصرّفية، حيث جُمع مجلسا القضاء اللذان خلقهما شكيب أفندي لتمثيل الطوائف الست الأساسية، في مجلس إدارة جبل لبنان. إن الواقعيّةَ في الفلسفة السياسية لفون ميترنيخ وتشديدَه على التمثيل الطائفي التعدّدي والتداعياتِ الإيجابية لهذا النظام على الاستقرار والنمو والعمران والازدهار على مدى ثلاثٍ وخمسينَ سنة حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى، كلُّ هذه الاعتبارات مجتمعة كانت الدافع الأساسي للبطريرك الحويك والأساقفة الموارنة في صياغة مطلبهم كما جاء في جوابهم على السؤال السادس.

 

إن مفهومَ الطائفة هنا لا يعني البتّة الإيمان والممارسة الدينية والتبشير، بل الانتماء إلى مكون اجتماعي وثقافي، عابر للأحزاب والمناطق، له شخصية مميزة تبلورت في حقب زمنية متتالية عبر أتون الاضطهاد والألم والتشرّد، بسبب الانتماء الديني. والأكثرية الساحقة من مكوّنات المجتمع اللبناني آتون من رحم الأوجاع، بسبب معتقداتهم الدينية المختلفة التي أفرزت تلقائياً سلوكياتٍ وآراءً مجتمعيةً مغايرة. غير أن هذا الرافد الديني، وإن لعب دوراً أساسياً في بلورة هذا المكون، لا يسعه أن يختزل لوحده مقوّمات هذا الانتماء. لذا نرى في جميع الطوائف أعضاءً عديدين غيرَ ممارسين، ملحدين وغيرَ مؤمنين، ولا أدريين، إلى ما هنالك من تصنيفات ممكنة ومتنوّعة. وهذا الأمر لا يؤثر أبداً على قناعتهم بالانتماء إلى طائفتهم كمكوّن اجتماعي وثقافي وسياسي، من دون أيّ خلفيّة دينيّة.

 

فالنظامُ الطائفي في لبنان لا يعني مطلقاً رفضَ الطوائفِ الأخرى ونبذَها والدخولَ معها في صراع وجودي. إنه على شاكلة الانتماء إلى عائلة، من منا اختار أباه أو أمه، أو وطنه او لغته، أو حتى دينه؟ كل واحد منا، بحسب التحديد الألماني للإنسان، هو «الكائن هنا» (Dasein). أخذنا الحياة مجّاناً ورأينا أنفسنا في حُضنِ وجودٍ لم نختره، وفي انتماءٍ عائلي لم نسعَ إليه بمحض إرادتنا. من يتذهَّنُ جيداً سرَّ الوجود، يحبُّ المعادلة الحياتية التي وُلد فيها ويفرح بالانتماء إليها، وفي الوقت عينه يحترم انتماءاتِ الآخرين ويُجلُّها ويحبُّها ويدخل معها في تحاكٍ وجودي، خلاّق وهادف. إن الوجودَ البشري لا يستقيم البتة خارج الانتماء. والانتماءُ في مضامينه الصحيحة لا يداخلُه أبداً منطقُ الصراعِ وتهميشِ الآخر وإلغائِه. فالنظامُ الطائفي، كما حدّده البطريرك المكرم الياس الحويك، إنما هو نظامٌ إشراكي لمكوّناتٍ غيرِ متجانسة، تعاهدت على العيش السلمي معاً في تآلفِ الاختلاف.

 

جميعنا نعرفُ حقَّ المعرفة أن أصواتاً مسيحية عديدة كانت ناقدة ورافضة لسعي البطريرك الحويك إلى إرجاع لبنان إلى حدوده الطبيعية والتاريخية، أي إلى حدود فينيقيا القديمة، أو حدود الإمارتين المعنية والشهابية، بحسب الخريطة التي رسمتها الأركان العامة في البعثة العسكرية الفرنسية سنة 1860ــ1861. بالنسبة إليهم، إن ضمَّ هذه الأقضية التي سلخها الحكمُ العثماني عن لبنان، سيُحوِّلُ عاجلاً أم آجلاً الأكثريةَ المسيحية في متصرفية جبل لبنان إلى أقلية. تقاطَعَ هذا الموقفُ المسيحي مع موقف المسلمين الرافضين لانسلاخهم عن جمهورية عربية واحدة حيث هم الأكثرية الساحقة، وانضمامِهم إلى لبنانَ الكبير حيث هم أقلية. بيد أن هذا المنطق الأكثري والأقلي لم يكن في صميم فكر البطريرك الحويك. فالمسيحية الحقّة تتنافى كلياً مع هذه المفاهيم. التقوقعُ والرِعدة والخوف من الآخر المختلف، جميع هذه العوامل تقوّض ركائز المسيحية. كيف كان للبطريرك القديس أن يغفلَ عن دعوة المسيح لرسله: إذهبوا إلى العالم كلّه؟ كيف كان له أن يتجاهلَ حدثَ العنصرة، هذه اللفظةُ العبريّة التي تعني التلاقي والاجتماع؟ جميع شعوب البحر الأبيض المتوسط، بمن فيهم العرب، كانوا متحلّقين حول الرسل في علّية صهيون عندما حلّ روحُ الربّ عليهم. أخذتهم الدهشةُ عندما تيقنوا أنهم كانوا يفهمون في لغتهم كلامَ مار بطرس المتحدثِ في الآرامية. مع حلول الروح القدس، لم تُلغَ أيُّ لغة ولا أيُّ حضارة، بل باتت الثقافاتُ المتعدّدة تفهم بعضها البعض وتتلاقح وتتكامل. إن عيدَ العنصرة، عيد التلاقي، كان النقيضَ لبرج بابل والتبعثر اللغوي والكراهية الثقافية. هذه الخلفيةُ الإيمانية الغنيّة كانت تحرك البطريرك. والأمرُ الذي أذهلني هو أن البطريرك الحويك في جوابه على السؤال السادس استعمل الفعلَ ذاته الواردَ في سورة الحجورات، الآية 13، في القرآن الكريم، حول مشيئة الله العظمى المتمظهرة في التنوّع العرقي والقومي: «يا أيها الناس، إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا». والبطريرك يقول: «فالانتخابُ على قاعدة الطائفية يمثِّلُ هذه الطوائفَ على نسبة معينة في ذلك المجلس، فتتعارفُ فيه وتتآلفُ».

 

إن هذا التآلفَ في الاختلاف، لا يمكن أن ترعاه إلا دولةٌ توافقية (consociational State)، بحسب التحديد العلمي الصارم الذي أطلقه العالم الهولندي ــ الأميركي الشهير في العلوم السياسية أرند ليبهارتArend Lijphart. إن بعض الباحثين يقيم مقارنة مفيدة للغاية بين فكرة الكوربوراتية الاقتصادية التي صُمّمت لتنظيم الصّراع الطبقي وتعطيل الانفجار المجتمعي، من جهة، ونظرية الدولة التوافقية لإدارة التنوع وتخصيبه والحؤول دون التصدّع المجتمعي على أسس عرقية ودينية، من جهة ثانية. في هذا السياق التحليلي، يذهب جون ماكغري (John McGarry) وبريندان أوليري (Brendan O’Leary) في تحليلاتهم إلى تحديد ثلاثة شروط أساسية لتأسيس تقاسمٍ ديموقراطيٍ توافقي للسلطة: أولاً، يجب تحفيزُ النُخبِ للانخراط في تنظيم الصّراع؛ هذا الشرط يقودنا إلى فهم أعمق لدعوة غبطة أبينا البطريرك الراعي، المتكرّرة والملحاحة، اللبنانيينَ جميعاً إلى إيصال النُّخبة إلى المجلس النيابي. يكفي أن نُذكِّر هنا كيف حقّق لبنان إنجازاتٍ كبيرةً واستقراراً مدهشاً عندما كانت مقاليدُ السلطة في يد نُخبة من رجال الدولة إستثنائية، وكيف انحدر الوضع إلى دَرْك مأسوي، عندما تسلمت قيادةَ البلد مجموعةٌ من سياسيين، أكثريتُّهم الساحقة غيرُ مؤهلة لإدارة دولةٍ توافقيّة. والشرط الثاني، بحسب ماكغري وأوليري، يجب أن تقود النُخب قطاعاتٍ حيويّة؛ والشرط الثالث، يجب أن يكون هناك توازنٌ متعدّدٌ للقوى. في كتابه Imposing Power Sharing: Conflict and Coexistence in Northern Ireland and Lebanon «فرضُ تقاسُمِ السلطة: صراعٌ وعيشٌ مشترك في إيرلندا الشمالية ولبنان»، الصادر سنة 2006، يُضيف الباحث الإنكليزي مايكل كير Micheal R. Kerr إلى قائمة ماكغاري وأوليري شرطاً أساسياً لمنع الدولة التوافقية من الانهيار، يقوم على ممارسة ضغوط خارجية إيجابيّة، تزوّدُ النخبَ الداخلية بالحوافز والدوافع الكافية وتدعمُها للترابط والتماسك والتآلف…

 

في وجيز الكلام، إن لبنانَ الكبير، كمشروع دولة توافقيّة، تُحاكي موجباتِ العيش معاً ضمن حقِّ الاختلاف، لم يخرج يوماً من دائرة المخاطر، ولن يخرجَ أبداً منها، لأنه بلدُ الحياة، والحياةُ لا تنمو ولا تزدهرُ إلا في المخاطر والمصاعب والأزمات. من حُسن طالع لبنانَ ومن سوء حظه في آن، أنه لا يُشبه أحداً في هذا الشرق التاعس. إنه مصدرُ الإزعاج الإيجابي للجميع. فلسفةُ كيانه تقوم على تآلفِ الاختلافِ وتخصيبِ الأضداد، وعدمِ تهميش الآخر المختلف وإخضاعِه وإلغائِه، بل اعتبارُه طريقاً إلى الذات وشريكاً كاملَ العضوية في نظامٍ تعدّدي وتوافقي، مبني على مبدأ تقاسم السّلطة والحكم معاً. إن بلداً، كان في إعادة الحياة إليه بطريركٌ مكرّمٌ وقديس، وكان وراء رفعِه على مِنصّة المرجعيّة العالمية للدول المتعدّدة ثقافياً ودينيّاً وحضاريّاً، بابا إستثنائيٌ وقدّيس، إن بلداً كهذا لن يكونَ قَدَرُه إلاّ ديمومةَ الحياة. وشكراً.​

المصدر:
نداء الوطن

خبر عاجل