
في العام 1972 زار كمال جنبلاط دارة المير مجيد أرسلان لعقد مصالحة درزية، وتحضيراً للتحالف الانتخابي في قضاء عاليه. وحينذاك كان هناك انقسام مسيحي بين بيار الجميل وكميل شمعون، فاختار الدروز عدم الدخول إلى جانب طرف على حساب آخر. ومعروف أن أرسلان كان حليفاً لشمعون. وحصل التحالف الإرسلاني – الجنبلاطي وفازت اللائحة بكاملها.
المختارة وخلدة
اليوم تغيرت الظروف مع بقاء بعض الصور المشابهة. فارسلان الابن، يرتبط بعلاقة تحالف مع عون، فيما الانقسام المسيحي كبير جداً. وجنبلاط الابن ترك في الدورتين الانتخابيتين الماضيتين مقعداً درزياً فارغاً لارسلان، ليتمكن من النجاح والحفاظ على الحدّ الأدنى من الوحدة الدرزية.
وعصر يوم السبت 26 حزيران 2021، وصل وليد جنبلاط إلى دارة إرسلان في خلدة، متخففاً من كل الحسابات، لعقد لقاء مع خصميه على الساحة الدرزية، بلا اعتبارات سياسية. ويسعى أرسلان ووهاب إلى التعاون والتحالف مع التيار العوني في الانتخابات المقبلة لمواجهة جنبلاط، وتكريس ثنائية درزية. وهذا من تصورات التيار العوني ورئيسه جبران باسيل لاختراق الشوف وعاليه، ومقارعة جنبلاط في عقر داره. لكن التفكير بهذه الطريقة يشير إلى وجود قصر نظر عميق في مقاربة الواقع الدرزي. ولذلك كان لا بد من التذكير بواقعة التحالف بين كمال جنبلاط ومجيد أرسلان، لتجنب الدخول في الانقسام المسيحي أولاً، وكي لا ينعكس على الداخل الدرزي ثانياً، فيصبح الدروز منقسمين ومتنافسين على إيقاع تنافس المسيحيين وخصوماتهم.
مساعدات جنبلاط
ووفق ما تشير استطلاعات الرأي، في الفترة الأخيرة، يبدو الفرق هائل بين وليد جنبلاط وخصومه. يعود ذلك إلى مجموعة أمور وعوامل: رمزية جنبلاط وهالته. وتاريخ المختارة. وحملة المساعدات الواسعة التي أطلقها جنبلاط منذ أكثر من سنة. ومن استطلعت آراؤهم يعتبرون أن جنبلاط تصرّف بماله الخاص، وقام مقام الدولة.
وهذه لها الكثير من المعاني لدى الدروز الذين يتذكرون كلمة أساسية قالها جنبلاط لتيمور مع بداية الأزمة: “طول ما المختارة موجودة ممنوع درزي يجوع”.
وهناك أخيراً مواقف جنبلاط التي ينظر إليها الدروز دوماً بأنها عامل جمع لا تقسيم في اللحظات الحرجة، ومنها اللجوء إلى عقد هذه المصالحة في هذه اللحظة.
ظروف أرسلان
أما أسباب تراجع خصوم جنبلاط وحلفاء التيار العوني على الساحة الدرزية، فيعود إلى أسباب عديدة أيضاً: أولاً، رهانهما الدائم على العلاقة إما مع حزب الله أو مع التيار العوني، في محاولة لحجز موقع لهما في السلطة أو التركيبة أو في أي لائحة انتخابية. وهذا يعتبره الدروز من الكبائر، فهم يرفضون أن تتحكم بهم أحزاب وتيارات أخرى.
ثانياً، المحاولات الدائمة التي يبذلها أرسلان لفرض نفسه على المواقع الدرزية في الدولة، إما بالرهان على رئيس الجمهورية وسواه، أو من بإثارة هذه المسألة والمطالبة بالحصول على المزيد من الحصص في لحظات العمل على حلّ المشكلات العالقة. فيظهر ذلك وكأنه يحاول المقايضة بين حلّ المشاكل والحصول على مناصب. وهذا أكثر ما يؤدي إلى استياء المشايخ. وهم عبروا عن غضبهم من عدم إنجاز المصالحة، عندما عقد اللقاء في حزيران الفائت عند الرئيس نبيه بري. وهي لم تنجز خلال زيارة أرسلان إلى دارة جنبلاط في آذار الماضي، بسبب مطالبة إرسلان بحلّ قضية الشويفات، والتي قتل أحد مناصريه فيها مناصراً لجنبلاط، مقابل عدم حلّ مشكلة قبرشمون. ورفض جنبلاط الأمر وقال إنه يجب ختم كل الجروح.
دور المشايخ
وتوجه مشايخ الطائفة الدرزية بأسئلة كثيرة حول أسباب عدم إنجاز المصالحة. وفهموا أن أرسلان يطالب بحلّ مشكلة الشويفات فقط، ويطالب بالمناصفة في المناصب بالدولة وفي الاتفاق على ترشيح شخصية محسوبة عليه سياسياً لتولي منصب شيخ العقل في انتخابات الخريف المقبل.
وشكل المشايخ عنصر ضغط على إرسلان. وفي السياق طلب وهاب موعداً لزيارة جنبلاط في كلمينصو في أيار الفائت، لحلّ مشكلة كفرحيم والتي قام خلالها مناصرون لوهاب بالاعتداء على مناصرين لجنبلاط، الذي أبدى كل استعداد لمعالجة المشكلة. وخلال اللقاء سأل وهاب جنبلاط عن أسباب عدم حلّ المشكلة مع أرسلان، فأبلغه رئيس التقدمي بالأسباب، وعرض وهاب العمل على إنجاز الأمر، فرحّب جنبلاط، وقال إنه جاهز لردّ الزيارة إلى دارة أرسلان وإنجاز المصالحة هناك.
ويريد جنبلاط طيّ صفحات الخلاف كلها. خصوصاً أنه يرى الانهيار المقبل عليه لبنان في ظل عدم تبلور أي حل حكومي أو سياسي أو اقتصادي. لذلك لا بد من حماية المجتمع الدرزي ومنع وجود أي مشكلة قد تؤدي إلى تفاقم الأمور أو توتر الأوضاع.
ويسعى إرسلان ووهاب للعب دور في هذا السياق أيضاً، مع محاولاتهما تكريس نفسيهما في مواقع ومناصب الدولة، أو في أي جولة انتخابية لاحقة. وهذا ما لا يعيره جنبلاط أي اهتمام قائلاً: “آخر همّ هي المناصب، الهمّ هو الناس والبلاد. وأن نعبر هذه المرحلة بأقل الخسائر الممكنة”.
مشيخة العقل
ويصرّ أرسلان على فتح النقاش حول انتخابات شيخ العقل في تشرين الأول المقبل. وهو يريد انتخاب الشيخ نصر الدين الغريب لهذا المنصب. وقد طرح هذا الأمر في اجتماع عين التينة العام 2020. لكن جنبلاط اقترح حلّ المشاكل العالقة، وبعدها يتم البحث بهذه الملفات. واعتبر برّي حينذاك أن ما يقوم به أرسلان معيب، لأنه يقايض المناصب بالدماء.
وفي اجتماع اليوم فُتح البحث في كيفية توحيد مشيخة العقل الدرزية، كما فعل شيخ العقل الراحل محمد أبو شقرا في العام 1970، ونجح بتوحيدها بالاتفاق على المداورة بين الجنبلاطيين والأرسلانيين. ومعروف أن انتخاب شيخ العقل يحصل كل 15 سنة. ويحاول ارسلان الرهان على هذه المعادلة كي يكون الشيخ المنتخب محسوباً عليه. وفي نهاية الاجتماع صدر بيان أكد فيه المجتمعون ضرورة تسليم كل المخلين بالأمن للأجهزة الأمنية والقضاء، ورفع الغطاء عن أي شخص يرتكب أي تجاوزات أمنية، كما طالبوا بضرورة تشكيل حكومة سريعاً.
