وطنيّة مزيّفة بألف عنوان أم مواجهة؟

 

إنّ إخراج لبنان من جوف الحوت، بقدر ما هو خيارٌ أوحد لاسترجاع الوطن الذي لا يؤنس إلّا بالولاء، بقدر ما هو محظورٌ ممّن أقفل على حسّه الوطنيّ بهدف استبدال حيثيّة قائمة بأخرى مستوردة يفرضها بالقوّة.

إنّ الواقع المعاش ذا الاهتزازات الخطيرة على مستوى بقاء الكيان، يجعل التّغاضي عن طرح مفاهيم السيادة، والنّظام الطّوائفيّ، ودور لبنان جسرا بين الشّرق والغرب… مباحاً، فالساحة، اليوم، لم تعد واحة كاذبة لضائع عطش في الصّحراء، فحسب، بقدر ما هي، بمجرياتها، دافعٌ للبكاء على طلل وطن، تكاد تثير، فقط، التذكّر والاشتياق لملامح كانت، في ما مضى، عصيّة على وباء الانقراض.

إنّ الحسرة المليئة بالليل، عقدت على آمال الناس قرانها، فأضحت هذه الآمال أشباحا موحشة، وسرابا خادعا، وأطيافا باهتة، بعد أن اغتصب الحقّ ببقاء وطن، وأجهض التّوق الى استرجاعه، حتى بالتكسّب والتزلّف من جانب البعض الذي تغلّبت عليه نزعة الهزيمة، لا استنادا الى نضوج في حبّه الأرض والكرامة، بل خوفا على تفلّت حظوظه في إقبال كرسيّ السّلطة عليه، والإشاحة عنه، وهذه خسارةٌ له ربّما تكون من دون تعويض.

من هنا، ولكي لا يصبح الوطن جثّة مؤهّلة لتتوارى في النّسيان، أين يقف الذين يدّعون، زورا، حماية لبنان، وهم، بالتّحديد، من أعلنوا وصوله الى جهنّم، إن لم يكونوا، وبإرادتهم، شدّوه الى هاوية الجوع، والإفلاس، والهجرة، واليأس المرير؟ إنّ فساد هؤلاء الذين عشّش في وعودهم عنكبوت الكذب، ينتشر كالفيروسات التي تؤدّي الى قلوب منكسرة، والى نفور وآفاق مسدودة، ولم يقابلوا الجحيم الذي دفعوا الناس إليه، إلّا بخطابات خشبيّة، وبضمائر طلّقتها الضّمائر.

في عمق الوجدان الوطنيّ، قضيّةٌ مركزيةٌ متجذرةٌ في اللّاوعي الشّعبي، هي مسألة الانتماء حيث يتوطّن الولاء ثابتا في جوهر الثقافة الوطنيّة. لكنّ الطّفرة المسفّة في حركة الانتساب الى ما وراء الحدود، والنّزف الانحداريّ في الحسّ الوطنيّ لدى الذين يشلّون حجم لبنانيّتهم في قطاعات جماجمهم، يمثّلان حفّار قبر يردم الكلس فوق كفن الوطن، من دون أن يرفّ له جفن.

إنّ لبنان الدولة هو تشكيل خارطة لبنانيّة المساحة، فقط، تطبق على مشروع تحويل الوطن نسخة ممسوخة، بهدف إمساك قراره، وتاليا، القضاء عليه نسقا ديمقراطيّا حرّا، لبسط أوتوقراطيّة استبدادية عفنة، هي عرفٌ قبيحٌ في عقليّة رجعيّة لا تعني سوى جريمة موصوفة يأتيها من يستحسنون مبدأ الظّلم الذي يختم على الحرية بالشّمع الأحمر.

في هذا الزمن الرديء، زمن قرصنة الوطن، وكتم الأنفاس، والاستعباد بالإذلال، والتمسّك بغطرسة القوة، لا ينفع اللّطم، والنّواح، كحتميّة عوجاء للاستسلام والرّضوخ، بالرّغم من الهجوم العنيف، والمسعور، والمتوحّش، الذي يشنّه أصحاب الفتاوى الهجينة التي تعطيهم اليد العليا في تحريك خيوط الوطن، وذلك، بالقهر، والإكراه، والعدوانيّة، وحتى باستباحة الجناية. إنّ هذا التّطاول على كيان الوطن يستدعي، حكما، التصدّي له بحزم لازم، فلا مكان للتّلميح الممقوت، وللأبواق الغيورة، وللتّذاكي المهزوز، وللتلوّن الدجّال، فذلك كلّه ليس سوى مدعاة للاشمئزاز، وتأكيد مبرم لجبانة مشهودة.

الوطن، اليوم، ضاق صدره من التّهريج السياسيّ، ومن صدا عدم الاكتراث، ومن الهرطقات الممجوجة، وسقط بالضربة القاضية، أو كاد، فإمّا أن يتخذ قرارٌ بالفرار من المواجهة، والانكفاء الى غير طلّة، مسكونين بثقافة الخوف، دمى متجوّلة مهشّمة تسلّم، تلقائيّا، بما تأمر به أفواه مهدري الكيان، وإمّا أن نستفيق من ورشة الذّعر، في عودة الى النّضال الوطنيّ، لوضع حدّ لصلاحيّة التّخريب، وتحقيق نقلة نوعيّة من مؤامرة سحق مشروع الدولة- الوطن، بصحوة تدرك أنّ كرامة الفرد من كرامة وطنه، وهي كالحريّة، تؤخذ ولا تعطى.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل