الصّبر سيّد الموقف

 

خرج اللبنانيون شبه سالمين بعد أشهر من مناورة «حكومة الـ 888»، ومند البداية لم يكن الأمر يحتاج إلى استنتاج أنّ اللعبة كانت ولا تزال محكومة بعقدة جبران باسيل، ومن طرافة البعض أنّه عمل على الترويج لخبر مفاده أنّ باسيل أدرك أنّه أضاع عهد عمّه بالعناد، هكذا خلاصة تثير الضحك والبكاء على حدّ سواء، الآن يحدثوننا عن تركيبة جديدة وهي أيضاً مناورة تضييع وقت أخرى ما بين أربع 6666 أو ست 444444 والحقيقة هي أننا أمام واقع تعطيلي متمادٍ، أمّا التحذيرات التي تنطلق من هنا وهناك متخوفّة من اندلاع أعمال فوضى وشغب وأحياناً تحذيرات من اغتيالات سياسيّة، فأمام هذه التحذيرات كلّها يبقى السؤال: متى تنفجر الأزمة الوطنيّة الكبرى الصامتة؟

 

لربّما هناك من يقرأ صمت اللبنانيين بشكل خاطئ، إذا أمعنا التفكير في حال الشعب اللبناني ونحن منه نكتشف أنّه ليس في خططنا النزول إلى الشارع والتظاهر، يغلب على اللبنانيين الاعتصام بالصبر وليس الخذلان والاستسلام، علينا مراجعة ما عاناه اللبنانيّون منذ العام 1975 وحتى الآن لنفهم أنّهم معتصمون بالصبر والصمت، بل معتصمون بالصبر الجميل، وهم مدركون تمام الإدراك أنّ مفاتيح التغيير ليست في أيديهم، وأنّ تركيبة البلد لا تسمح بالتغيير إلا عبر العمليّة الانتخابيّة، وهذه لا تزال بعيدة وغير واضحة المعالم لأنّ الطبقة السياسة العفنة نفسها هي التي تفصّل القوانين الانتخابية على قياسها، فمن أين سيأتي التغيير؟!

 

هذا العهد أدخلنا في أزمات احتراق ومحارق، أدخلنا في أزمة أخلاقية سياسية وإنسانية كبرى في هذا البلد، المشهد السياسي بات مُرهقاً جداً ويضع اللبنانيين تحت وطأة إجهاد وضغط شديدين، إلى أين يريدون أن يأخذوننا بعد؟ تتعقّد مع إيران في اليمن فتردّ في لبنان، تتعقّد مع إيران في العراق فتردّ في لبنان، تتعقّد بين أميركا وإيران فتردّ في لبنان، تتعقّد الأزمات الاقتصادية في سوريا فينهبون لبنان ويهرّبون كلّ مقدّراته إلى سوريا!! هذا الاستخفاف بالشعب اللبناني والاستغراق في التعامل معه كأنّه غير موجود، وأنّه لا قيمة له في المعادلات السياسية، «يا بلا ضمير»، كفى تفخيماً وتعظيماً وتقديساً لهذا وذاك على حساب هذا الشعب المبتلى بكم!

 

فائض الصبر اللبناني هذا على مناورات ادّعاء تشكيل حكومة ـ للمناسبة لن تتشكّل ـ وستبقى الأمور متروكة لرئيس الظلّ جبران باسيل إلى أن يبلغ الوضع في لبنان أسفل سافلين، هذا الاحتراق الوطني يجب أن يوضع له حدّ، أحياناً يكون الإنقاذ الوطني ليس بمنع حالة الغرق، بل بترك البلد المهترئ يغرق، عمليّاً لا تستطيع أن تنقذ أحداً بالإكراه، دعوا الفريق المعطّل يغرق عن بكرة أبيه ويغرق البلد معه، قد يكون هذا هو الحلّ الوحيد لإنقاذ لبنان وشعبه من «جهنّم» اليومية التي يحترق فيها!

المصدر:
الشرق

خبر عاجل