
كان يجب ان اكتب عن نتائج انتخابات نقابة المهندسين في بيروت، واحلل هيك بهدوء موقع القوات بالأرقام والمنطق وما شابه، لكن وانا محتجزة منذ ساعات في سيارة تشويني الحرارة، وتكويني صرخات غضب الناس والزمامير المجنونة في كل الاتجاهات، كيف سأجلس الى قلمي واكتب تحليلا هادئا؟ عند طوابير البنزين لا مكان للتحليل ولا لمزاج كاتب ولا لرفاهية القلم الهادئ، نحن ما عدنا مواطنين عاديين، نحن في عصفورية مجانين في ما بيننا، نتقاذف ما تبقى فينا من حياة ونذوب في مهرجانات الذل المستشرية فوق الاراضي اللبنانية وبنجاح غير مسبوق منقطع النظير!
فوّلتوا؟ فوّلنا قرفا ويأسا واحتقارا لسلطة عار لا تجيد الا اذلالنا! فوّلنا فقرا وخوفا وانتظارا من دون طائل، ونقمة من دون فشّة خلق، وغضبا من دون ثورة، صرنا ثوار فيسبوك وتويتر، نكتب نشمت نصرخ ننتقد، وصباح كل يوم، اقصد فجر كل يوم، ننتظم هيك وما احلانا بطاعة رهيبة وعدم اعتراض على ارادة مافيا السلطة، في طوابير الدوام، وننتظر دورنا لساعات وساعات لنملا خزاناتنا بعشرين الف ليرة!… لكن من بعدها نهرع فورا لثورتنا الفيسبوكية والله، ولا نتأخر عنها ابدا عيب… مني وجر!!
رفعوا سعر صفيحة البنزين ولا بنزين! أقروا قال البطاقة التمويلية ولا مصادر معروفة للتمويل، او لعلها من اموالنا المعتقلة في المصارف من يعرف؟! واحلا من هيدي وهيديك، قال السلطة بضميرها المرتاح جدا جدا، تسعى لإنجاح الموسم السياحي!!
يا ريّس، يا “اوادم” اذا لم يخبروكم بعد سأتطوع شخصيا للمهمة واخبركم باننا كنا طاولة الشرق ومطعمه، صرنا زبالته. كنا مستشفى الشرق صرنا في غرفة عناية بلا بنج! كنا جامعة الشرق، صرنا ادمغة شاردة مصدّرة عنوة الى الخارج. كنا اكرم الناس في الشرق، صرنا شحادو الشرق والغرب والارض قاطبة في كل اتجاهاتها، صرنا يا بيي الـما حدا…
نحن وما ومن نحن؟ نحن واقفون على صوص ونقطة. على صوص الوزيرين المسيحيين وما يسمى بـ “حقوق المسيحيين”، وعلى نقطة مسؤولين هم بالواقع مجرمون عملاء مأجورون، وعلى سلطة تتقاذفنا مثل الكرة تحت اقدام اللاعبين المتنافسين على شباكنا، على توابيتنا.
اخبركم اكثر بعد؟ صار الناس وجوها بلا معالم لان وحّد وجوههم اليأس المطلق، نمشي كمن يمشي في الهيولى، في الفراغ، لا وجهة محددة ولا هدف الا تأمين بعض الطعام، كم رغيف، نقطة بنزين، وعلبة الدواء…علبة الدواء يا بيي، تلك العلبة الكرتونية الصغيرة المقطوعة غالبا والتي فيها حياة او موت اربعة ملايين لبناني مقيم، هذا هو اقصى الطموح. كنا حالمو هذا الشرق صرنا يائسوه…
طيب طيب تزعليش مني يا سلطة يا عهد يا ريّس، حسبكم انكم ادخلتم الى يومياتنا ثقافة ومصطلحات جديدة جميلة. عند الصباح “وين رايحة ماما؟” رايحة فوّل. عند الظهر “لوين؟”، رايحة ع السوبرماركت الحق الاسعار قبل ما يسبقوني. عند المساء “لوين؟” ابحبش عن علبة حليب وعلبة بندول. في الليل؟ سهرانة ع الشمعة امزمز شاعريتي الجديدة التي كان قتلها الانترنيت والسهر والرقص والكيف، وها نحن نعود عتيمة ع العتيمة، لكن في الصباح الباكر وقبل ان يصح الديك، ساهر ع الى طوابيري الجميلة لافوّل… كرامة مبهرّة مملحة بالثورة. وهلأ تركوني نام…!
