#dfp #adsense

صليب لبنان في حاضرة الفاتيكان

حجم الخط

كتب أنطوان مراد في “المسيرة” – العدد 1718

صليب لبنان في حاضرة الفاتيكان

الشاهد والمنقذ لتاريخ مسيحيي لبنان

 

عندما تحضر القضية اللبنانية في حاضرة الفاتيكان على أرفع مستوى، باهتمام خاص من قداسة البابا فرنسيس، الذي دعا إلى لقاء القادة الروحيين المسيحيين يتقدمهم البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، فهذا يعني أن ثمة مقاربة جديدة ومحاولة متقدمة لفهم ما يحصل من جهة، وللمبادرة إلى ما ينبغي فعله لتطويق الأزمة غير المسبوقة. ومعروف أن الفاتيكان لا يملك جيشًا بل سلطة معنوية كبيرة، يمكنه توظيفها بفعالية، لا سيما وأن ثمة ظروفاً دولية ملائمة تساعد الحبر الأعظم في مهمته الصعبة.

فالرئيس الأميركي جو بايدن كاثوليكي ملتزم ويكنّ وداً كبيراً للبابا ويحرص على سماع صوته، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أصابته الخيبة والمرارة في ضوء ما آلت إليه مبادرته، ويحتاج إلى رفد ومواكبة، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعرف جيدًا مدى أهمية الكنيسة في قيادة بعض التوجهات والمسارات.

أجواء الفاتيكان توحي بأن البابا فرنسيس بدأ يتفهم أكثر دقائق المسألة اللبنانية، وهو الذي يوصف ببابا الفقراء والقضايا الاجتماعية والإنسانية، ولم يكن في مرحلة أولى ملمّاً ما يكفي بخصوصية لبنان وقضية مسيحييه ومسيحيي المشرق، لكن التطورات الأخيرة معطوفة على إنفجار مرفأ بيروت وتداعياته، دفعت بدوائر الكرسي الرسولي إلى قراءة أكثر تمعناً في الواقع اللبناني واستطرادًا في الواقع المسيحي، في ضوء التقارير الكثيرة التي تتدفق على روما من مرجعيات وهيئات ومؤسسات شتى كنسية وغير كنسية، اجتماعية وتربوية وصحية، تنذر بالمدى الذي وصلت إليه أحوال المسيحيين خصوصًا واللبنانيين عمومًا.

ولعل الأخطر هو النزف الهائل للشباب اللبناني إن لطلب العلم أو للعمل في الخارج، وهو ما تعيشه الجامعات والمدارس الكاثوليكية المهددة بفقدان أو بتراجع مستواها، لا سيما وأن الهجرة تشمل الجسم التعليمي والكوادر التقنية، إلى الطلاب الذين يطلبون الإفادات بالعشرات يوميًا في بعض الأحيان لتسهيل إنتقالهم إلى الخارج.

كما أن تقارير أخرى تحذر من مخاطر تحويل اللبنانيين والمسيحيين إلى فئة تستمر بفضل المساعدات والإعانات وما يعني ذلك من رهن لحريتها وإهانة لكرامتها، وهو أمر يحزّ في نفس البابا كثيرًا، إذ وجد أنه لا بد من إيلاء الشأن اللبناني اهتمامًا نوعيًا، بعد فترة من الفتور الذي واجه طرح البطريرك الراعي الصيف الماضي لمسألة الحياد، والكلام على تحفظ في بعض دوائر الفاتيكان حول طريقة الطرح وحول غياب التشاور المطلوب على مستوى معين، الأمر الذي جعل الفاتيكان يكتفي بأنه أخذ العلم بالمبادرة من دون أن يتبنى المبادرة.

ولعل أكثر من تفهّم الوضع اللبناني وسعى إلى دعم لبنان هو البابا القديس يوحنا بولس الثاني الذي خصص «سينودوس» من أجل لبنان وزاره في ختامه خارقاً المحظورات في زمن الوصاية. وينقل البطريرك الراعي عن البطريرك الراحل مار نصرالله بطرس صفير أنه كان يتهيّب ويستعد جيدًا للقاء البابا الراحل لأنه سيسمع منه الكثير من الأسئلة والملاحظات حول الوضع اللبناني نظرًا للأهمية التي يكنّها لوطن الأرز.

واليوم، يبدو، وبعد أخذ ورد واتصالات، ومع تفاقم الأوضاع الحالية في لبنان، أن الكرسي الرسولي بات على استعداد أكبر لبذل جهود جدية من أجل مساعدة لبنان على الخروج من محنته، حتى ولو كان الأمر تحت عنوان المساعدة الإنسانية، علمًا أن المدخل إليها هو مدخل سياسي، وهو ما بدا من خلال تعاطٍ أكثر إيجابية مع طرح البطريرك الراعي فكرة مؤتمر دولي لمساعدة لبنان وفي إطاره يندرج طرح الحياد، بعدما استجمع سيد بكركي الآراء من مختلف الجهات، فضلاً عن إمكان تكليف أحد كبار الأحبار بمهمة خاصة بلبنان قد تتمثل بزيارة تأخذ مداها في لقاء مختلف المعنيين واستطلاع آفاق الحلول الممكنة، أو من خلال تعيين موفد خاص يرابط في لبنان طالما أن ثمة حاجة لحضوره.

التعويل على مبادرة قداسة البابا ينبغي أن يبقى واقعيًا وموضوعيًا، لكنه يمثل سابقة منذ فترة طويلة وقد يكون فاتحة إهتمام أكبر، لا سيما مع تكوّن قناعة دولية أولية باستحالة إستمرار لبنان بتركيبته الراهنة في ظل فريق أقوى من الدولة وفي ظل صراع مرير يعطل القرار والمؤسسات، فإما إنقاذ جدي قد يرتدي ثوب تسوية مقبولة لا تلغي أحدًا، وترسّخ التجربة اللبنانية، وإما المباشرة في البحث عن  مخارج تحافظ على الوجود المسيحي في لبنان ضمن هوامش ثابتة من دون أن تلغي تجربة العيش المشترك.

لقد عُرف الشيخ بشير الجميل في مرحلة نضاله على الطريق إلى الرئاسة بتحفظه في حينه على التعاطي الفاتيكاني مع لبنان كحقل اختبار للتعايش يدفع المسيحيون فيه الثمن الأغلى، لكن ما يحصل اليوم قد يكون أصعب من مرحلة الحرب على المسيحيين، لأن الحرب كانت ترعاها خطوط حمر، أما اليوم فالأكثرية الساحقة من اللبنانيين مسيحيين ومسلمين تشكو من الخلل الهائل، وتخشى انهيار الوطن والدولة، ولا تمانع في قبول حلول فيها من الإبداع بقدر ما فيها من إحترام للإنسان في لبنان وللمجموعات الحضارية فيه.

يبقى أن مواقف البطريرك الماروني ستكون في الواجهة، لا سيما وأنها تلقى تفهّما في عاصمة الكثلكة على الرغم من قوتها وصراحتها، ولا بد للبطاركة ورؤساء الكنائس الآخرين أن يأخذوها في الإعتبار، عندما يتعلق الأمر بلبنان، حيث الموارنة فيه يحتلون موقعًا رائدًا ومتقدمًا، ولا يمكن مقارنة أوضاع المسيحيين في لبنان ومتطلباتهم ومناخ الحرية والتنوّع فيه بما يسود في الدول الأخرى في المشرق.

 

أنطوان مراد – مستشار رئيس حزب «القوات اللبنانية» لشؤون الرئاسة

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل