
على جدول مجلس النواب الذي ينعقد اليوم وغداً الخميس، اقتراح قانون معجل مكرر يرمي إلى منح دفعة على غلاء المعيشة لضباط وعناصر الجيش وقوى الأمن الداخلي والأمن العام وأمن الدولة وشرطة مجلس النواب والضابطة الجمركية العسكرية.
هذا الاقتراح رفع لواءه في آذار الماضي، عضو كتلة التنمية والتحرير النائب علي حسن خليل، الذي اقترح إعطاء دفعة مالية بقيمة مليون ليرة لبنانية شهرياً، ولمدة ستة أشهر، للقوى العسكرية والأمنية، نظراً للظروف الاجتماعية والمالية ولأهمية الدور الاستثنائي الذي تقوم به، لكن الأمر لم يمر حينها محدثاً جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والاقتصادية.
في البند 57 من جدول أعمال مجلس النواب، أعيد إدراج هذا الاقتراح الذي من شأنه أن يُصعد التحركات الشعبية والمطلبية في القطاعات كافة، خصوصاً لدى رابطة موظفي الإدارة العامة التي تطالب بمنح جميع الموظفين من دون استثناء دفعة على غلاء المعيشة لا تقلّ عن مليون ليرة لبنانية، ريثما يتم تصحيح الأجور بشكل شامل.
في جولة سريعة على الأرقام، يبلغ عديد القوى الأمنية والعسكرية حوالي 125 ألفاً، يتوزعون بين جيش، وقوى أمن داخلي، وأمن عام، وأمن دولة، وشرطة مجلس نواب، ومرافقين لعسكريين أو سياسيين. لا يختلف اثنان على الا قيمة اليوم لرواتب القوى العسكرية والأمنية، لكن 40% من موازنة موظفي القطاع العام تذهب لرواتب العسكريين والقوى الأمنية بين موظفين حاليين ومتقاعدين، وإذا أراد موظفو القطاع العام البالغ عددهم حوالي مئتي ألف موظف، المطالبة بمليون ليرة إضافية شهرياً، ستكون التداعيات المالية سلبية وعكسية حتماً.
الأمر لا يتوقف على القطاع العام، والتي كانت الجهات الدولية المانحة طالبت بتنظيمه كشرط أساسي للحصول على مساعدات، إنما يشمل أيضاً القطاع الخاص الذي يأن موظفوه أسوة بغيرهم، من الانهيار المالي وتهاوي قدرتهم الشرائية.
هذه الجدلية تفتح الباب واسعاً أمام الحديث عن تصحيح الأجور الذي بات مطلباً محقاً وضرورياً إنما مستحيلاً، لأنه سيؤدي إلى المزيد من التضخم وتآكل القدرة الشرائية وتحقيق عكس ما هو مأمول منه، بحسب مصادر مطلعة على هذا الاقتراح، التي تشير لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني الى أن المعالجات الاقتصادية المطروحة، لا تزال تندرج في إطار الاقتراحات السطحية، خارج إطار الحلول الشاملة، مشددة على أن الزيادات المقترحة المحقة لا تجد من يموّلها، سوى بطباعة إضافية لليرة اللبنانية، ما سيؤدي الى زيادة في الأسعار وزيادة في نسبة التضخم، وانكماش اقتصادي اكثر حدّة.
في هذا السياق، يشدد الاقتصادي روي بدارو على ضرورة الفصل بين مبدأي تصحيح الأجور وبدل غلاء المعيشة، إذ إن التصحيح يعتمد على إعادة النظر بالمعايير المتبعة، لتصحيح الأجور على أساسها، بينما يعتمد مبدأ الغلاء المعيشي على المرحلة السابقة لإعادة التصحيح بحسب الغلاء المعيشي، كاملاً كان أو مجتزأ.
يرى، في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أنه إذا أردنا إعادة هيكلة الاقتصاد، علينا تصحيح الأجور وربطها بالإنتاجية، مشيراً الى أن المعضلة في هذا الأمر لا تقتصر على تصحيح الأجور في القطاع العام فحسب، إنما تشمل تعويضات نهاية الخدمة التي تعتبر القنبلة الموقوتة في نظامنا الاقتصادي اللبناني، يضيف، “لم يتمكن لبنان من السير بنظام ضمان الشيخوخة المقترح للقطاع الخاص، ولا بتصحيح تعويضات القطاع العام، علماً أن هناك 150 ألف متقاعد يتقاضون رواتبهم كل نهاية شهر”.
يلفت الى أن لبنان لم يعدّل السنّ القانونية للعمل، مقارنة مع متوسط العمر المتوقع، إذ لا يزال سن التقاعد في القطاع الخاص 64 عاماً بينما يجب أن يكون 68 عاماً، وهذا الأمر ينسحب أيضاً على القطاع العام وضرورة تعديل سن التقاعد فيه، علماً أن لبنان مضطر لدفع حوالى 400 ألف راتب كل نهاية شهر.
يشدد بدارو على ضرورة إعادة النظر بالأجور في القطاع العام، بعدما تدنت بشكل كبير لتصبح 10 بالمئة فقط من القوة الشرائية، عما كانت عليه قبل الأزمة، وإذ يرجّح أن تكون الزيادة أقله ثلاث مرات، يؤكد أن هذا الرقم لن يكون كافياً، إن لم يتم إلغاء كل الاحتكارات التي تقضي على التنافس في القطاعين العام والخاص، لأن المنافسة بالعرض في الأسواق اللبنانية، سيؤدي حتماً الى تدني الأسعار.
يذكّر بأن أساس تصحيح الأجور هو الإنتاجية، ويشرح أنه عندما كان الحد الأدنى 450 دولاراً، كان سعر صرف الليرة “منفوخاً” مقارنة بدولار الـ1500 ليرة لبنانية، الذي كان يجب أن يكون منذ العام 2015 بين 3500 و4000 ليرة للدولار، معتبراً أننا ندفع اليوم ثمن هذا الانتفاخ في القدرة الشرائية لليرة اللبنانية، بدل أن نكون قد دفعناه سابقاً، تدريجياً، إذ إننا نتكبّده على سعر دولار 17000 و18000 ليرة، بدل 3500 – 4000 ليرة، يتابع، “هذا ما يسمى الغباء وعدم الفهم بالمعادلات الاقتصادية من قبل المنظومة الحاكمة في لبنان”.
“نحن غير معزولين عن العالم، ويجب أن تكون أجورنا شبيهة بالبلدان المنافسة لنا جغرافياً، كمصر وتركيا وأوروبا الشرقية، آخذين بعين الاعتبار القدرة التنافسية للاقتصاد اللبناني الذي لا يزال غير محرر”، يؤكد بدارو، الذي يرى أن على الدولة التدخل في الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص، والذي يجب أن يتراوح بين 125 و150 دولار، على ان يُعاد النظر به سنوياً، مؤكداً أن الأمر لا يستقيم إلا إذا كان الحد الأدنى متحركاً شهرياً بالليرة اللبنانية، بحسب سعر الصرف للشهر الذي سبقه.
ويعتبر أن التفاوض على تحديد الاجر بالدولار يجب أن يتم على مستويين، مناطقي وقطاعي، إذ لا يجوز أن يكون الحد الأدنى في المناطق البعيدة التي تختلف فيها القدرة الشرائية عن المدن، موازياً لليد العاملة في المناطق والمدن الكبيرة، موضحاً أهمية الارتكاز على القدرة الشرائية مناطقياً لتحديد قيمة الحد الأدنى، كما أنه لا يجوز تحديد القيمة نفسها في القطاعات الإنتاجية، إذ تختلف مصاريف شركة التكنولوجيا عن شركة الخياطة مثلاً.
يفضّل بدارو ألا يجري تفاوض تصحيح الأجور مع الاتحاد العمالي العام لأن المجموعة السياسية الحاكمة لن تترك الاتحاد العمالي العام يفلت من يديها بعدما، جازماً بضرورة استبدال تعويض نهاية الخدمة بنظام الشيخوخة، مع استثناء التعويضات العائلية والاستشفاء ببطاقة خارج الضمان الاجتماعي. يتابع، “عندها يتصرف الضمان بالتعويضات ونوعيتها ونظامها الجديد، لان كل الدراسات كانت مبنية على اشتراكات ضمان ستصبح غير متساوية وفعالية”.
وإذ يؤكد أن الاقتصاد اللبناني سيكون أمام إعادة نظر تحويلية لا تغييرية، يرى أن الاقتصاد اللبناني لا يستطيع تحمل 200 ألف أجير و150 ألف متقاعد، من هنا ضرورة إعادة النظر بمهمة لبنان بدء بالاستراتيجية الدفاعية التي تحتاج الى عملية وفاق وطني، وانتهاء بتحرير كل الأسواق من الاحتكارات وإعادة توازن كتلة الأجور ضمن الدخل القومي.
أي عملية نسخ من دون ذكر المصدر تعرض صاحبها للملاحقة القانونية
