#adsense

أين كنت… أين أصبحت؟

حجم الخط

كتب النائب أنطوان زهرا في “المسيرة” – العدد 1718

زهرا: أمس واليوم…

فردٌ من جماعة منذورة لمجد لبنان

وأحوال الزمان علينا شتّى

وحالنا واحدٌ في كل حالِ

(بتصرف)

 

مقاومةٌ لبنانية تاريخية مستمرة، تأطرت في أيامنا في «القوات اللبنانية». تاريخٌ من الوقوف على حدود الخطر، وابتداع وسائل استمرارٍ ورقي مما ملكت أيماننا، وعيش حال إيمان دائم بربنا ووطننا وأنفسنا، مصحوب برجاءٍ لن يخيب، وانتظارات لا بد وأن تصل بنا الى الدولة المنشودة للوطن الفريد الذي استحققنا بدم شهدائنا القديسين الأبطال على مدى قرون، بحيث تولّد لدينا يقين بأن ترابه كله مجبول بدمائهم.

ككل شاب من جيلي، نشأ في بيت لبناني مسيحي ملتزم، تدرّجت من ناشطٍ في مصلحة الطلاب الى ملتزم حزبي في حزب الكتائب مطلع السبعينات. وصادفت خدمتي كإحتياطي في الجيش اللبناني إندلاع أحداث الـ75، فكانت هذه الخبرة العسكرية المتواضعه مؤهلاً كافياً لأتولى بعد تسريحي مركز مفوّض القوى النظامية في قسم كفيفان. وتميّزت لأول مرة عن رفاقي برفضي العلني للدخول السوري المعلن عام 76 فالتحقت بإعتصام حراس الأرز في تنورين بنية مباشرة عمليات إغارة على القوات العسكرية السورية في مناطقنا، ثم تركت هذا الإعتصام بسبب التراجع عن المباشرة بهذه العمليات.

بعد أحداث الـ78 والتهجير من الشمال، وبعد أن أسّس الدكتور جعجع قيادة ثوار الشمال في ميفوق، رافقت الرفيق إدمون صهيون الى دير القطارة، حيث التقيت لأول مرة (الشيف سمير) واستمعت لطرحه واقتنعت به. بعد فترة وجيزة إلتحقت رسمياً بثكنة القطارة بدلاً من ثكنة إقليم البترون في راشا، بسبب قناعتي بضرورة توحيد جبهتنا، في مواجهة جبهة موحدة للأعداء الخارجيين والأخصام الداخليين المتحالفين معهم. وقد حمّلتني المرحومة جدتي رسالة لسمير جعجع تقول: «قول لصاحبك القاعد بهالجبال، إنه فيه نسوان ختياريه بهالضياع عم تصليله وتدعيله إنه الله يحميه وينصره بالدفاع عن لبنان والمسيحيين».

كلفني الحكيم باستلام الإستطلاع الميداني في الجبهة الشمالية بعد أن زودني بكل المراجع المتوافرة لتطوير معرفتي وخبرتي في الطوبوغرافية والملاحة البرية والإستطلاع والعمليات. تعاطيت مع هذه المهمة بجدية ومثابرة أهلتني لوضع ملخص تدريبي، ساعدني في إعطاء دورات تدريبية لكل آمري الفصائل والحضائر، في الشمال ولاحقاً في الجبل، كما التدريبات النوعية المكثفه للسرية 85 كما لمجموعة مار يوحنا. بعد الإنتفاضة الأولى، توليت لفترة وجيزة، وبالوكالة، قيادة الإستطلاع المركزي، وبعد تعيين قائد أصيل، غادرت الى فرنسا فتسلمت إدارة شؤون الجالية اللبنانية في أوروبا الغربية.

بعد عودتي الى لبنان، عملت كمسؤول مكتب معلومات في الشعبة الثانية، ومع بداية ما سُميَ بحرب التحرير، تطوّعت للعمل كرامٍ وآمر مربض راجمات، ما استدعى تنويهاً من القيادة كوني انتقلت من العمل الدبلوماسي الى العمل العسكري عند الحاجة، فكرّست من يومها ما أعلنته لاحقاً «فيي كون نايب أو حاجب بالقوات».

خضنا كـ«قوات لبنانية» الكثير من المعارك والمواجهات، انتصرنا في معظمها وهُزمنا في بعضها، لكنها كلها كانت لتكريس إرادَتنا في المقاوَمة، ورفضنا الإستسلام وخيانة قضيتنا ونضال أسلافنا وتضحياتهم. حَلُمنا دائماً، وحَزِنّا مرّات، لكن ما آلمنا في العمق، كان محاولة شيطنتنا في مرحلة 88 ـ 90 خدمة لمشروع سلطوي. فكان أن ظُلمنا على يد ذوي القربى، وهو الظلم الأشد مرارة على النفس. ويحز في نفوسنا اليوم، أن الفريق نفسه يعود الى الأساليب نفسها والتضليل نفسه، عند كل مفترق، خدمة لنفس المشروع السلطوي، والذي عند تجربته، فضح أصحابه، وأجهض كل ما تحقق على طريق بناء الدولة قبله.

في العام 92 غادرت الى الإمارات، وتابعت من هناك بقلق بالغ، كل مراحل مخطط حل حزب القوات، الذي انتقلنا إليه كحزب بعد بدء تطبيق الطائف، إتهام فإعتقال القائد ثم حل الحزب ومصادرة أملاكه، وملاحقة واعتقال وتعذيب كل قواتي معروف. والأهم منعهم من حقوقهم السياسية. السبب الوحيد لهذا الإنتقام من القوات، هو استمرارها في التزام المقاومة سلمياً. لم تستسلم كفاقدي الإيمان، ولم تلجأ للفرار كفاقدي الكرامة.

حافظت طبعاً على إتصالاتي برفاقي في الداخل والخارج وواكبت النضال السري، والنشاط العلني الى أن أبلغوني رغبة الرفاق في المنطقه والقيادة برئاسة الرفيقة ستريدا جعجع، إعتمادي كمرشح للانتخابات النيابية عن دائرة البترون في العام 2005. خضنا الانتخابات ضمن تحالف قوى14 آذار، وعادت القوات الى العمل السياسي العلني بكتلة نيابية وتمثيل وزاري، والأهم تصحيح الخطأ التاريخي، فبعد «خروج اللبنانيين من السجن الكبير الذي كانوا قد وضعوا فيه، أخرجوا سمير جعجع، بالفعل ذاته، من السجن الصغير».

كما في الإستطلاع، كذلك في البرلمان. أكببت على عملي بجدية ومثابرة، ما أكسبني مراكمة خبرات دستورية، وتشريعية وحقوقية، مكّنتني من مباشرة عملي البرلماني وتظهير مواقف الحزب من كل القضايا المطروحة، بشكل واضح وجلي.

تقلبت بنا الأيام في النضال السياسي، كما في المقاومة العسكرية. لكننا كنا وسنبقى، في مسار ينساب طبيعياً، في خط مقاومة لا لبس فيه ولا افتعال. كل محطة في مسيرتنا هي مناسبة لتأكيد نهجنا والتزامنا وطنياً، ودينياً واجتماعياً وأخلاقياً.

أنا كنت أمس، وأنا اليوم، فردٌ من جماعةٍ منذورةٍ لِمجدِ لبنان.

أنا مؤمن ككل جماعتي بأنه «ما مات حق خلفه مُطالب» ونحن بحق وطننا وشعبنا ضنينون ومطالِبون.

نحن مقاومة يقودها رئيس سلّم نفسه عن أحبائه، شعاره من الصلاة الربية «لتكن مشيئتك كما في السماء، كذلك على الأرض» وقناعته الراسخة كما قناعتنا، إنه بالنهايه، ما بيصح إلا الصحيح.

 

أنطوان زهرا – نائب سابق

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل