الحاكمون في الحقيقة

قال ميكيافيللي، “ليست الألقاب هي التي تكسب الناس مجداً، بل النّاس هم الذين يكسبون الألقاب مجداً”.

وقال آخر، “على المسؤول أن يصارع في بحر هائج، فالبحر الهادئ لا يصنع بحّاراً ناجحاً”.

هذا الكلام يتعاطى، حصراً، مع ما ينبغي أن يكون عليه سلوك المسؤول في “دولتنا”، أيّاً كان هذا المسؤول. وفي ظلّ الحصار الذي فرضته القبائل المعروفة على الألسنة والفكر، لن نسير ببطء، أي بمنتهى الحذر والخوف، فالحقيقة وجهتها أماميّةٌ، وكلّما زادت الحقيقة وضوحاً على حدّ الحبر، ازداد أعداؤها، وأعداء المواقف الثّابتة التي، لطالما، سطّرت ملحمةً حيّةً تشكّل اتّصالاً بين الخطر والجرأة، وهذا أداء الرّجال.

لقد رفضنا أن يقام حفل تأبين للسيادة، في حين ينثر المسؤولون، عندنا، رمادها في مواقفهم المرذولة، وكأنّهم، بذلك، يسلّمون صكّ الوطن للفاتح. ورفضنا، أيضاً، أن نكون مشلولي الولاء، هذا الولاء الذي يدرج في خانة الوفاء بالإنتماء، في حين حرص المسؤولون على الحنث بقسمهم في صيانة الوطن، وخضعوا للممنوعات المستوردة، ولوّثوا البلاد بصواعق الموت. ورفضنا أن يرد اسمنا في لائحة الرّاكعين الخامدين، صوناً لكرامتنا الإنسانيّة والوطنيّة، في حين تخلّى المسؤولون عن لحظات الإباء المختومة بالدفاع عن حقّ الوطن بالحقّ، لأنّه لم يرْتجّ عليهم تذكّر كراماتهم. ورفضنا، أيضاً، إلّا أن نكون مقلقين لمسيّبي الأرض، ولمغتصبي شرفها، في حين فات المسؤولين جرعة العزم والأمانة والأصالة في عزّة النّفس، وفات الواحد منهم أنّ أحداً لا يستطيع امتطاء ظهره إلّا إذا كان منحنياً.

يخطئ من يحسب ألا حلول لدى المسؤولين، إنْ أرادوا، بشرط ألّا يكونوا بحاجة لغير إسمهم، أي أن يحدثوا انتفاضةً تصنع مفصلاً، وثورةً بيضاء تثري الشّعور بالإنتماء الى الكرامة، ونطْق صواب محصّناً بسلوك لا يتنفّس إلّا إباءً. بهذا، فقط، يبعدون عن الكيان شهقة الموت، ويعيدون الى معجم الجمهوريّة كلمة “مسؤولية” بعد أن شطبها هؤلاء الممسكون برقاب الناس، بالتّقصير، وبممارساتهم الفاضحة والمدانة التي انتهكوا بها الحقوق والحريّات. وكذلك، ينبغي أن يدفعوا عنهم تهمة التّقاعس، والفساد، واللّامبالاة، وقد نأوا بأنفسهم عن أبسط واجباتهم القانونيّة، عن قصد، وجعلوا الشّعب كبش محرقة في أتون السّلامة المنهوبة.

لقد انتدب الدولة مسؤولون واهون، هم قطّاع طرق محميّون بعصابات الطّارئين، متآمرون على أسس قيام الدولة، وعلى مشروع الوطن، يباهون بمواقفهم الملتهبة المفكّكة والمشوّشة، وقد جرّعت الناس مرّ الجوع، والضّيق، والعوز، وخسارة أبنائهم بالهجرة، ناهيك عن التعدّي السّافر على مكوّنات سيادة الوطن، ما يثبت أنّ الزّمن العفن، القمعيّ، الذي ظنّ بأنّه انقرض، قد بعثه الغيارى عليه حيّاً.

في ساحات الذلّ، ذاق الناس ظلم المسؤولين الذين لم يلامسوا جراح الوطن، وكأنْ ليس في جبلتهم أنّ قدر الرّجال في المواقف لا في الصّفقات، في الثّبات لا في الرّضوخ، في الإلتزام بمنظومة الكرامة لا في المساومة عليها، في جعل السيادة قضيّتهم لا في مهادنة من اختطفوها، في الإيمان بأنّ إعادة لبنان الى حضن الحقّ هو واجب الحرّ لا في تركه للباطل، في التأكيد على أنّ القرار يصنع في لبنان من مخزون الكرامة والشّرف لا في التّنازل عنه لأصحاب حلم الإطباق على البلاد.

إنّ المسؤولين، عندنا، يعانون من العري الوطنيّ، لذلك يسفكون دمّ الكبرياء، والإعتزاز، والمبادئ، والسلوكيّات الأخلاقيّة، ومعنى الضّمير، فلا انتساب وجدانيّاً، لديهم، للعزّة الوطنيّة الحرّة، من هنا، تفشل محاولات تجميل قبحهم، مهما حاولوا، وقد نهبوا الوطن، وسلّموه رهينةً للّصوص بالتبعيّة، وحكموه بديماغوجيّة رعناء خدعوا، بها، الشّعب بأنها تخدم مصالحه، وقد أخفت، وراءها، أهدافاً ملتبسةً لا علاقة لها بمصالح الشّعب والوطن على السّواء.

ايّها الناس، يا أهل لبنان، وأنتم في ذروة الشّوق الى الخلاص، أسقطوا عنكم الخوف، وتوجّهوا صوب نصب الكرامة، وأيقظوا، فيكم، النّبض الثّوريّ الذي رافق نضال لبنان في تطويع التاريخ. أجهضوا خطط تقويض الوطن بالتحوّل من الطّاعة، والخضوع، والتّسليم، الى بناء تشكيلات وطنيّة، متضامنة، متقدّمة، تستعيد ما ضيّع من الحريّة، والسيادة، والتوق الى المستقبل. ففي انتفاضتكم، وحدها، إعلانٌ أنّ السلطة لم تعد للعروش، وانتصارٌ لعامل الكرامة الغضبى على سلطان الخوف، فما كان الخوف، يوماً، سلطاناً يحكم الشّجعان.

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل