.jpg)
كتب النائب وهبي قاطيشه في “المسيرة” – العدد 1718
نفط العراق أملٌ دونه مطبَّات!
بحرًا، برًا، بالصهاريج أو عبر أنابيب الفساد؟
أعلن العراق مؤخرًا عن رغبته بتزويد لبنان بمليون طن من المحروقات خلال السنة المقبلة… الخبر وحده أضاء نور الأمل في عيون اللبنانيين الذين باتوا يعيشون على حفنة 5 أمبير وبكلفة توازي راتب موظف بحسب سعر صرف الليرة. أما الخبر الذي استحق «الشرقطة»، فهو أن الكمية قد تصل الى مليوني طن بحسب مصادر، لصالح معامله المنتجة للكهرباء وبتسهيلات كبيرة، بعدما عجزت الدولة اللبنانية عن دفع ثمن حاجاتها من المحروقات للشركات التجارية. فما هي أبعاد القرار العراقي بعدما أصبح لبنان بلدًا شبه مفلس؟ وهل يتحقق الوعد بأنوار المحروقات العراقية، أم تتوقف عند مزاريب الهدر والفساد والسرقات والمحسوبيات… إنقطعت الكهرباء الى المحوِّل درّْ!
بداية، البادرة العراقية ليست غريبة عن شعب شقيق، كان عبر تاريخه الطويل، وسيبقى، الأكثر تعلُّقاً بالعروبة من أي شعب عربيٍّ آخر لأسباب جيوسياسية. فالعراق تجاوره قوميتان عدوانيتان تاريخيَّاً. على حدوده الشرقية القومية الفارسية، وعلى حدوده الشمالية القومية التركية، واللتان تغذيان وتستغلان بنفس الوقت إحدى مقوّماته العرقية (الأكراد العراقيين)، لإثارتها على الدولة المركزية في بغداد.
حصار العراق لم يقتصر على محاصرته من قبل أعدائه التاريخيين (إيران وتركيا)،إنما حصل بمشاركة شقيقه اللدود في هذا الحصار، أي الحزب البعثي السوري الذي يحكم سوريا من الغرب. ومن «التجليات» الكبرى لهذا الأخير، أي البعث الحاكم في سوريا، أنه تحالف مع إيران أثناء حربها الطاحنة على العراق، ضد العراق البعثي الشقيق.
ولقراءة الواقع، لا بد من العودة الى الحالة التاريخية، والوقائع المعاصرة، لتأكيد تعلُّق العراق بالعروبة، التي شكلت تاريخياً، ولا تزال حتى اليوم، وعلى الرغم من الحالة المرضية الحاضرة، ملاذاً ومأمناً وامتداداً لمصالحه الحيوية الثقافية والإقتصادية والتاريخية.
كثيرة هي الأسباب التي تفسِّر بادرة العراق تجاه لبنان الشقيق الذي يعتبره الأقرب، نذكر أهمها :
أولاً: سياسي. ففي صراع الإختلافات والمحاور التي اجتاحت العالم العربي على مدى نصف القرن الماضي حتى اليوم، لم يأخذ لبنان يوماً موقفاً مخاصماً للعراق، بسبب سياسة الحياد التي انتهجها بين أشقائه العرب. لا بل فرضت الجغرافيا على البلدين، أن يكونا على انسجام تام، خصوصاً أن شريكهما في الحدود الجغرافية (بينهما)، أي النظام السوري، كان يضمر العداء دائماً للنظامين البعثي في العراق والديموقراطي في لبنان.
ثانياً: إقتصادي. بحيث كان معظم التواصل والتجارة البحرية للعراق مع دول أوروبا وأميركا الشمالية، تؤمن عبر شواطئ لبنان في مرفأ بيروت وعبر شركة ال I.P.C (شركة نفط العراق ) في طرابلس. حتى أن معظم حركة مرفأ بيروت قبل أحداث لبنان، كانت تصب في خدمة الدولة العراقية والتجار العراقيتَين.
ثالثاً: ثقافي. كان لبنان المقصد الأول والمميّز للعراقيين: مصيفهم ومطبعتهم ومشفاهم وجامعتهم…. وأوكسيجين اقتصادهم بوجوده الجغرافي على البحر؛ ولم يجد العراقيون في اللبنانيين إلا أفضل الأشقاء المتعاونين على تعزيز روابط البلدين والشعبين، من دون أن يضمر اللبنانيون، دولة وشعباً، أي خصام مع العراق؛ كما كان يفعل بعض أشقائه الآخرين.
كل هذه الثوابت التاريخية في التناغم بين البلدين والشعبين، تؤكد على العلاقات التاريخية الوطيدة بين الشعبين الشقيقين، بخلاف ما كان يحصل مع العراق من بعض أشقائه العرب. فهل يمكن للعراق المساهمة في مساعدة اللبنانيين للخروج من أزمتهم الحالية؟
العراق غنيٌّ جداً بالموارد الطبيعية والزراعية والمائية والعلمية والثقافية…. لا بل هو الأكثر اكتفاءَ ذاتياً بين أشقائه العرب. لكن العراق لم يتعاف كليَّاً بعد من الحروب والأزمات التي تعرّض لها منذ أكثر من أربعين عاماً، أي بعد وصول رجال الدين إلى السلطة في طهران ومحاولتهم تصدير الثورة إلى العالم العربي بدءاً من العراق. ولكنه، وإن لم يتعاف كليَّاً في كثير من المجالات، إلاّ أن موارده الطبيعية، خصوصاً النفطية، والتي يمكنه أن يساعد بها أشقاءه ومن ضمنهم لبنان، لا تزال كما هي. فالثروة النفطية العراقية هي الثانية في العالم، بعد فنزويلا (الأولى) وقبل السعودية (الثالثة). والمجال الذي يرغب العراق في مساعدة لبنان به هو النفط. طبعاً لا يمكن للعراق تصدير كميات من النفط، بالحجم الذي تصدره السعودية مثلاً بسبب الحروب والأحداث التي عاشها منذ أربعة عقود؛ لكنه على الرغم من ذلك، فهو مصِرٌ على مساعدة لبنان بمليون طن من الفيول لمعامله المنتجة للكهرباء؛ وقد يرتفع هذا الرقم إلى مليوني طن، كما جاء في حديث تلفزيوني لأحد المسؤولين المكلفين بتأمين التواصل مع الدولة العراقية للحصول على هذه التسهيلات. ويبقى السؤال: كيف يمكن أن تتأمَّن هذه الكمية في الظروف الفوضوية التي تجتاح منطقة الشرق الأوسط؟
1. الصعوبة الأولى والتي نأمل في حلِّها: كيف يمكن للعراق أن يؤمّن هكذا كمية من الفيول المكرر، بمعايير ومواصفات محددة تتناسب مع معاملنا المنتجة للكهرباء؟ فهل لديه القدرة على التكرير؟ وبهذه المواصفات؟
2. الصعوبة الثانية: إذا لم يكن للعراق القدرة على التكرير بمواصفات معاملنا اللبنانية، فإلى أية دولة سيلجأ لبنان، لتكرير الخام الذي سوف يستورده من العراق، وبأي ثمن، ومن دون أي هدر أو فساد؟
3. الصعوبة الثالثة: إذا كان العراق قادراً على التكرير وبالمواصفات المطلوبة، فالطريق إلى لبنان هي: إما أن تكون بحراً، أو براً بواسطة الصهاريج أو براً عبر الأنابيب.
فالأنابيب التي تصل إلى طرابلس وتقدَّر سعتها أصلاً بمئتي ألف برميل خام يوميَّاً، يحتاج لبنان إلى تكريرها خارج مصافي طرابلس، التي دمرها النظام السوري عام 1982 عندما كان متحالفاً مع طهران ضد بغداد ليحرم هذه الأخيرة من مورد مالي يساعدها في الحرب التي كانت تخوضها ضد طهران، والتي لا تزال مدمَّرة حتى اليوم، لذا فطرابلس مضطرة لإعادة تصدير هذه الكمية إلى بلد ثالث لتكريرها واستعادتها وهذا ما يرتب أعباء على الوضع اللبناني قد يصعب عليه حلها. هذا إذا كانت هذه الأنابيب لا تزال صالحة للإستعمال. وفي هذه الحال يبرز السؤال: هل يمكن للنظام السوري المعاقب والمحاصر أن يسمح بمرور هذه الكميات من دون أن يستولي عليها؟
أما النقل البري بواسطة الصهاريج، فذلك يتطلب توفر قوافل من آلاف الصهاريج بوزن 50 طناً. فهل هذا العدد متوفر أولاً؟ وأين وبأية تكلفة؟ وثانياً، ونكرر هل يسمح النظام السوري بعبور هذه القوافل من دون أن يستولي عليها أو على بعضها؟
ويبقى النقل البحري الوسيلة الأسلم لإيصال المشتقات النفطية العراقية إلى لبنان. وهنا لا بد من السؤال مجددًا : هل هو يحمل المواصفات المطلوبة تقنياً قبل إرساله من العراق؟ أم إننا ملزمون بنقله وتسليمه إلى فريق ثالث لمعالجته قبل استقباله؟ ومن هو هذا الفريق الثالث على طريق البحر؟ أم إننا ملزمون بإيصاله إلى لبنان ومن ثم إعادة تصديره لتكريره واستعادته؟ أم إنه مسموح لنا بمقايضته بآخر مكرر وفق شروطنا قبل وصوله إلى الشاطئ اللبناني مع فريق ثالث قبل تكبَّد عناء نقله أو إفراغه؟ أسئلة عديدة يجب الإجابة عليها بوضوح قبل المباشرة بالتنفيذ.
وهبي قاطيشه – نائب في البرلمان اللبناني
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]