
في ظل انعدام حلول الأرض، باتت حلول السماء خشبة الخلاص الوحيدة بعدما نفدت الفرص وانهار الهيكل ولم يبق “لا بلاد ولا عباد”.
وشكّلت زيارة البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي إلى روما للمشاركة في “يوم التفكير والصلاة من أجل لبنان” نقطة تحول لكافة اللبنانيين، وبصيص نور في النفق الأسود الذي يعيشونه ويتعايشون معه.
الفاتيكان لم يترك يوماً “بلد الرسالة” وحيداً، خصوصاً في أزمته الوجودية التي يمرّ بها والتي تحتاج اليوم إلى تكاتف كافة اللبنانيين مع بعضهم البعض. ويعود الاهتمام البابوي بلبنان لأسباب تاريخية أبرزها العلاقة المتينة بين روما وبطاركة الموارنة منذ قرون وأيضاً لما تمثله هذه البقعة البيضاء على خارطة الشرق من تنوّع وانفتاح ومناصفة بين المسلمين والمسيحيين.
وتشير مصادر مقربة من الفاتيكان أن الأخير يرسم مواقف مبدئية ولا يدخل في التفاصيل، أما موقف الفاتيكان الرسمي، فيصدر عن البابا وحده من خلال كلماته ورسائله فهو لا يحمّل أحداً رسائل.
وتكشف المصادر، في حديث عبر موقع “القوات”، عن أن مواقف الفاتيكان حيال لبنان واضحة منذ بداية الأزمة وهي لم تتبنّ أي موقف سياسي أو كنسي لبناني لأنه يعتبر من جهة أن الأولوية هي للمعالجة الملحة للقضايا الإنسانية والاجتماعية وتوفير سبل الصمود للشعب اللبناني، ومن جهة أخرى، فإن أي طرح يجب تأمين توافق وطني حوله مسبقاً، ومن ثم السعي للحصول على تبنٍّ خارجي له.
وعن دعوة البابا للمسؤولين اللبنانيين إلى الفاتيكان، توضح المصادر نفسها أنه ليس كل ما يروج عن تحركات ودعوات ومبادرات للفاتيكان صحيحاً والكرة هي في ملعب السلطات والجهات السياسية اللبنانية وحدها وعليها تحمل مسؤولياتها قبل الطلب من الأصدقاء في الخارج مساعدتها.
وتلفت إلى أن الفاتيكان على مسافة واحدة من جميع الفرقاء في لبنان ولا يدخل في الزواريب السياسية اللبنانية ولا يقبل أية محاولة سياسية أو كنسية لزجه في أي نقاش داخلي وتصويره طرفاً. وتشدد على أن الفاتيكان لا يهمه فقط مصير الكاثوليك، بل جميع المسيحيين والشعب اللبناني بأكمله، ومن هنا انفتاحه على الجميع.
من جهتها، تلفت مصادر مواكبة ومطلعة على المبادرة الفاتيكانية إلى أنه لا يمكن تأكيد أو نفي وجود آليات عملية متابعة للمبادرة، وهذا بالنسبة للفاتيكان هو جزء من متمّمات، لكن الأساس يكمن في طبيعة اللقاء الذي حصل وجوهره والرسائل التي أراد توجيهها من خلاله.
وتسأل المصادر، في حديث لموقع “القوات اللبنانية”، لماذا تقصّد البابا ان تكون الدعوة موجهة للقادة الروحيين لا السياسيين؟، معتبرة أن الفاتيكان يدرك أن الحل هو من طبيعة خارجية قبل ان يكون من طبيعة داخلية عن طريق وضع حد للنفوذ الإيراني في لبنان الذي يصادِر الدولة اللبنانية وأي حل يجب أن يكون بغطاء دولي وبمرجعية دولية من أجل إعلان حياد لبنان: هذا الحياد الذي لا يمكن أن يترجم إلا من خلال موقف دولي ووضع لبنان على جدول أعمال المفاوضات الدولية مع إيران من أجل أن يكون بنداً أساسياً لناحية ان إيران عليها التسليم لواقع، وأن يسلم حزب الله سلاحه للدولة اللبنانية.
وتضيف، “من خلال هذا اللقاء أراد الفاتيكان توجيه رسالة للولايات المتحدة وغيرها بأنه معني بالقضية اللبنانية ولن يسمح بالتفريط بها وهو حريص على بقاء آخر بقعة مسيحية في هذه المنطقة انطلاقاً من الجانب التشاركي على مستوى السلطة الذي يعوّل عليه الفاتيكان كثيراً كرسالة للمسيحية في هذا العالم على قاعدة “لبنان وطن الرسالة” ولا يريد أن يسقط لبنان في أزمته المالية”.
وتؤكد المصادر أن هناك حلَّين: الأول من طبيعة استراتيجية للأزمة اللبنانية، إذ على المجتمع الدولي أن يضع لبنان بنداً أساسياً في مفاوضاته منعاً لابتلاعه أو المقايضة على حسابه. والثاني: حلّ تكتي منعاً من سقوط لبنان نتيجة الفراغ، أي على المجتمع الدولي وضع كل إمكاناته لمساعدة الشعب اللبناني من أجل الصمود بانتظار الحل أو التسوية النهائية التي يجب أن تتحقق.
