آب لبنان أمام تشدّد إيراني أو عملية جراحية دولية

يخطئ من يظن أو يعتقد أن الانهيار الحاصل في لبنان حالياً مجرد أزمة داخلية لا امتدادات إقليمية ودولية لها. كما يخطئ من يظن أو يعتقد أن سقوط لبنان ليس إرادياً من قبل بعض الداخل وبعض الخارج. فلبنان الذي لطالما كان ساحة تجاذبات إقليمية ودولية، بلغ مع بلوغها ذروة التفكك والانحلال، إذ لم يعد أزمة سياسية ولا أزمة حكم، بل أزمة نظام.

لا يعني كلامنا هذا أن نظام الطائف هو العلة كما يحلو للبعض رشقه للتنصل من المسؤوليات الجسام عليه، بل سوء تطبيق الطائف والانتقائية التي بلغت حد تحويل الدستور إلى ممسحة وأكثر من وجهة نظر.

يستوقفنا في هذا السياق موقف هيئة مكتب المجلس منذ أيام الذي انعقد في منزل رئيس البرلمان نبيه بري للبحث في رفع الحصانة عن النواب الثلاث في جريمة الإبادة الجماعية لبيروت، والذي تمترس خلف النصوص الدستورية والقانونية لمحاولة التفلت من طلب القاضي طارق بيطار، وكأن هذا المجلس وهذه الطبقة السياسية السلطوية المجرمة لطالما احترمت الدستور والنصوص القانونية، وهي التي برعت على مر السنوات في ابتداع الحيل والتسويات المنافية لأبسط قواعد الدستور والطائف.

وبالعودة إلى موضوعنا، لبنان إذاً وصل الى القعر الأسود في ظل اشتداد الكباشين الإقليمي والدولي، وآخر تجليات هذا الكباش:

1 – تعثر مفاوضات فيينا النووية وطرد إيران للمفتشين الدوليين ورفضها تجديد اتفاق التفتيش الاممي بفعل تعنتها التي تريد كسب الوقت قبل الوصول الى 3 اب المقبل، تاريخ تسلم الرئيس الإيراني الجديد رئيسي زمام السلطة، ما يتيح لطهران استثمار التخصيب لليورانيوم الى الحد الذي يمكنها من صناعة السلاح النووي، وفي نفس الوقت التهرب أكثر فأكثر من مسألة الملف البالسيتي وملف الميليشيات الإيرانية في المنطقة العربية.

2 – انسحاب الاميركيين من أفغانستان، والذي يعني أمرين: الأول عودة طالبان وبالتالي التهديد الجيو سياسي السني المتطرف على تخوم إيران الشرقية والثاني عودة الضغط المتطرف على تخوم روسيا ودول الطوق الروسي في لحظة يعمل الرئيس فلاديمير بوتين مع الرئيس جو بايدن “على القطعة”.

3 – ترسخ النواة العربية المناهضة لإيران في المنطقة العربية ولا سيما بين مصر والمملكة العربية السعودية والامارات والبحرين، وقد ادخل أخيراً العراق المريض إيرانياً أصلاً، الى حلقة النواة بعد قمة الشام الجديد. ونشير في هذا السياق الى وجوب توقع في الأشهر المقبلة، سباق تسلح نووي في المنطقة والخليج تحديداً إن لم تكبح إيران النووية، وان لم يستدرك الاميركيون مصالح كل من إسرائيل والخليج تحديداً.

4 – مشروع الشام الجديد الذي انطلقت فصوله الأولى مع القمة الثلاثية في بغداد أخيراً، بين مصر والأردن والعراق والمرشح ان يضم إليها لاحقاً لبنان وسوريا. هذا المشروع الذي من أبرز نتائجه الأولية: قطع الهلال الإيراني الشيعي عند العراق وربط المنطقة العربية ببعضها ربطاً اقتصادياً واستراتيجياً يقطع أمام طهران وأنقرة كل إمكانية سيطرة وتحكم واستيلاء على ثروات المنطقة العربية وعلى محاور تلك الدول (من هنا الصراع المستحكم حاليا في العراق بين سيادة الدولة او سيادة إيران عليه يقودها الكاظمي بقبة باط أميركية عربية داعمة). علماً أن مشروع الشام الجديد مناقض لطموحات إيران (بالهلال) وطموحات تركيا (بالسيطرة والتوسع) ومصالح إسرائيل (بضعف وتشتت العرب).

5 – تركيز حكومة بنيت الإسرائيلية الجديدة على كيفية منع وكلاء إيران الإقليميين وفي طليعتهم حزب الله من اكتساب المزيد من أوراق رابحة في ظل انهيار لبنان الدولة ما يتيح للحزب المزيد من التحكم وتوجيه لبنان نحو الشرق الإيراني، وتشدد ايران بالحفاظ على ميليشياتها كورقة ضغط تفاوضية الى جانب برنامجها الباليستي.

6 – الدخول الفرنسي والاوروبي والفاتيكاني الكبير وغير المسبوق على خط الملف اللبناني، لاعتبارين أساسيين: حماية لبنان تبدأ بحماية المسيحيين والوجود المسيحي فيه والعيش المشترك الإسلامي المسيحي وصيغة لبنان الفريدة (الرؤية الفاتيكانية، ومن تجلياتها احتفالية المئة عام على العلاقة بين الكنيسة المارونية والمملكة العربية السعودية أخيراً) ومنع لبنان من ان يتحول بفعل الانهيار الى منصة انطلاق تهديد جيو سياسي لأوروبا من خلال التسبب بموجبات جديدة من الهجرة والتهجير السوري والفلسطيني باتجاه أوروبا القريبة (الرؤية الأوروبية البعيدة المدى). وفي هذا السياق، تأتي توصيات لجنة الدفاع الوطنية والقوات المسلحة الفرنسية بتقصي الحقائق حول استقرار الشرق الأوسط والتي من ضمن توصياتها ارسال (تاسك فورس) الى بيروت، فهذا الكلام خير تعبير عن النظرة الفرنسية الجيو سياسية للبنان ولخطورة انهياره على الشرق الأوسط وبالتالي تداعيات ذلك على أوروبا، يضاف الى العنصرين: الصراع المفتوح حول حوض شرقي المتوسط وثرواته (ومن هنا أهمية دور مرفأ بيروت الذي تم تدميره وتتطاحن المشاريع الاوروبية لإعادة اعماره)، الصراع بين ايران والغرب ومنع ايران من الاستمرار في تفردها بلبنان (وهنا يأتي توجس حزب الله من التحرك الأميركي الفرنسي غير المسبوق دبلوماسياً باتجاه السعودية والزخم الفرنسي الأوروبي الذي بدأ ينعكس على الحزب ما يحمله، من خلال اطلالات نصرالله المتكررة في الفترة الأخيرة الى محاولة إبقاء الانهيار وطرق معالجته وفق البوصلة الإيرانية التي يعبر عنها الحزب الممسك بالورقة اللبنانية ومفاصل الدولة الأساسية ان لم نقل كل مفاصلها.

فالمنطقة على أبواب تغييرات جذرية، لا تبدأ بالانسحاب الأميركي من غرب اسيا للتفرغ لشرقه (الصين وروسيا) ولا تنتهي بالاتفاق النووي اذا تحقق. وفرنسا تدرك جيدا عمق الخطر الذي يتهدد لبنان موطئ قدمها الأساسي في المنطقة، وتدرك باريس انه اريد للبنان في هذه الفترة ان يكون مدمراً عاجزاً ومنهاراً لا قدرة له على تشكيل أي عامل ضاغط لا سياسياً ولا اقتصادياً ولا استراتيجياً. فبالنسبة لإيران لبنان حديقتها الخلفية المطلة على إسرائيل والمتوسط، وعليه ان يكون منصاعاً مطواعاً بين أيادي الحزب وكيل طهران الأساسي في المنطقة، تماماً كما أريد للعراق أن يكون تلك الحديقة بالتوازي الجيو سياسي مع اليمن الذي تعتبره السعودية حديقتها الخلفية، لذا حاول الرئيس ماكرون في بداية مبادرته تحييد العامل الإيراني، غير مدرك لعمق تبعية السلطة اللبنانية الحالية لإيران وتحالفها المصيري معها عبر سطوة حزب الله الناعمة، إذ وجدت باريس نفسها مضطرة للاستعانة بالبعدين الأميركي والاوروبي القادرين معها على مفاوضات ايران ومحاولة انتزاع انجاز ما منها في لبنان، الامر الذي رفضته ايران مفضلة الاحتفاظ بـ”هداياها” للأميركيين في فيينا لو حصلت على الـ36 مليار دولار وهي أصول إيرانية محجوزة ومجمدة في العالم بدء من الصين مروراً بكوريا الجنوبية فلوكسمبورغ وسواها من دول.

وما يزيد من حدة الكباش أن ملف الميليشيات الإيرانية في المنطقة وضع على نار حامية خصوصاً بعدما انتقلت فيينا من أجواء التنازلات المتبادلة الى أجواء الضغوط المتبادلة، ما يفسر ارتفاع لهجة واشنطن ضد الحوثيين في اليمن وارتفاع أصوات الغرب ضد الحشد الشعبي في العراق ودعمه للكاظمي في محاولته الجريئة والشجاعة إعادة العراق الى الحضن العربي، وصولاً إلى التشدد الأميركي والغربي والخليجي ازاء لبنان المحكوم من حزب الله.

ويجب ألا ننسى ما كان للتطبيع الابراهيمي من تأثيرات مباشرة على إيران إقليمياً، لأنه قلب الطاولة على المعادلة الإيرانية في المنطقة، وأولى تجلياتها كانت سحب ورقة القضية الفلسطينية من محفظتها الحصرية ما اضطرها الى التعايش مع المبادرة المصرية ـ العربية في غزة إبان الحرب الأخيرة، والتي “عربنة” ليس اتفاق وقف إطلاق النار فحسب وانما حركة حماس والجهاد الإسلامي أيضاً.

انه حضيض لبنان الذي نعيشه، والذي اريد له ان يكون كذلك، في هذه المرحلة الانتقالية الإقليمية للتحولات الجيو استراتيجية والجيو سياسية، ولذلك لن يخرج من هذا الدرك الجهنمي ما لم تتبلور أوراق التسوية في سوريا والعراق واليمن، من ضمن إطار زمني ينتهي في شهر آب المقبل، إما بتراجع إيراني وعودة الى الاتفاق النووي والا التوجه نحو المزيد من التصعيد والكباش الإقليمي الدولي فيحين عندها موعد العمليات الجراحية الكبرى للبنان والمنطقة. علماً أن كل المؤشرات والتي نتمناها مخطئة تشير إلى تشدد إيراني مع وصول رئيسي الى السلطة في موضوع فيينا.

فهل تكون توصيات لجنة الدفاع الوطنية والقوات المسلحة في الجمعية الوطنية الفرنسية مؤشراً إلى طبيعة المرحلة الصعبة المقبلة في لبنان، ما يستوجب نوعاً من الإدارة الدولية المباشرة لدولة باتت فاشلة وخطراً عليها وعلى محيطها الطبيعي؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل