شعب بلا ذاكرة… شعب بلا تاريخ

كتب المحامي إيلي شربشي في “المسيرة” – العدد 1718

شعب بلا ذاكرة… شعب بلا تاريخ

مجازر سيفو محطة في سبيل الشهادة وقضية أرض

بين العامين 1895 و1923 ارتُكِبَت أبشع المجازر بحق شعبٍ آمنٍ مسالم، لأنّ أحدهم في السلطنة العثمانية آنذاك، قرر ونفّذ عمليّة إبادة المسيحيين في أوطانهم، وسلّم الأمر لضباط مرتزقة في جيشه فكان ما كان: «إحتلال، تدمير، سرقة، قتل، تنكيل، تمثيل بالجثث، إغتصاب للفتيات والنساء»، وهذا ما حصل مع أكثر من نصف مليون إنسانٍ مسيحييّ سرياني من بلاد ماردين وأورفا وديار بكر وطور عابدين، وغيرها.

مئة عام ونيّف على مجازر الإبادة التي تُوصف بحقّ بالجريمة ضدّ الإنسانية والبشريّة جمعاء، التي طالت المسيحيين من أرمن ويونان وسريان وموارنة وآشوريين وكلدان، وتجاوز عدد شهداء تلك المجازر المليونين، ما أدى الى تغيير ديمغرافي وتهجير للسكان الأصليين من أرضهم، وكان أعنفها سنة 1915 فسميّت من وقته «سيفو» ܣܝܦܐ، وهي لفظة سريانية تعني «السيف» في إشارة إلى طريقة قتل معظم الضحايا، أو بـ»شاتو دسيفو»، ܫܢܬܐܕܣܝܦܐ أي «عام السيف».

ولأنّ الشعب الأرمنيّ، منتظم في أحزاب سياسيّة قوميّة، حملت لِواء قضيّته في جميع المحافل الدولية، وجعلوا قضيتهم عالمية حتى باتت المجازر مسمّاة بإسمهم، في حين أن السريان والآشوريين لم يكن لهم كيان سياسي يمثّلهم فَخَبَتَ وهج قضيتهم وقارب الإنصهار في القضية الأرمنية، حتى الأمس القريب حيث بدأت الأحزاب الآشورية والسريانية المنتشرة في الولايات المتحدة وأوروبا بالإضاءة على ما تعرّض له شعبنا من مجازر وإبادة جماعية، ما أعاد الحياة لهذه القضية قبل أن تلفظ أنفاسها.

أمّا الموارنة، الذين خسروا ثلثي شعبهم في المجاعة التي سببها الحصار الذي فرضته السلطنة العثمانية على جبل لبنان، فاستطاعوا من خلال تكوكبهم خلف البطريرك والكنيسة الحفاظ على وجودهم في جبل لبنان الذي أصبح ملجأ المضطهدين والمهجرين من إخوتهم المسيحيين، فأسسوا مع شركائهم في الوطن، دولة لبنان الكبير.

ولأننا لم ننسَ يوماً ما ارتُكب من جرائم بحق شعبنا، ستبقى سيفو محفورة في قلوبنا وعقولنا ولن تُمحى من ذاكرة شعبنا مهما طال الزمن، لأنّ شعباً بلا ذاكرة هو شعب بلا تاريخ وبلا قضية، والصور المرفقة مع هذ المقال، شاهدةٌ على هذه المجازر، فهيليست مشاهد من فيلم سينمائي، وليست لوحة فنان خطّ فيها مشاعره تجاه ما تعرّض له شعبنا من اضطهاد وتنكيل، إنّما هي صور حقيقية التقطت في بدايات القرن الماضي لمقابر جماعية رمت فيها السلطنة العثمانية آنذاك جثث أطفال ورجال ونساء شعبنا من بينهم، ربما أحد أعمامنا أو أخوالنا بعد أن تمّ تعذيبهم والتنكيل بهم وذبحهم كالخراف ورميهم في هذه المقابر الجماعية.

أن أكثر من مليوني إنسان، أكثر من مليوني طفل ومسنّ ورجل وامرأة نُكِّل بهم بهذه الطريقة الإجرامية السادية البشعة. كيف نكرِّم ذكراهم؟

ليس الهدف من إستنهاض المشاعر تحفيز عناصر الكره والإنتقام، وإنّما تحية لشعب وعوائل الكثيرين من أهلنا وأصدقائنا ورفاقنا، كي نبقى أوفياء لتضحايتهم وشهادتهم وإيمانهم، لأنهم وإن ربحوا معركة تهجيرنا واقتلاعنا من جذورنا وأرضنا لكنهم لم ينتصروا علينا وعلى تاريخنا وحضارتنا وإيماننا وإنتمائنا. وكي لا يتحول إنتصارنا الى هزيمة علينا أن نتذكر ونُذكّر بما حصل مع شعبنا منذ مئة عام وأكثر، بل منذ فجر التاريخ ولغاية اليوم. فالإضطهاد والتنكيل مستمرين، والشهادة والاستشهاد في سبيل الوجود والحضور السرياني المسيحي، الثقافي، الحضاري، الاجتماعي والسياسي مستمرّ أيضاً.

سرياناً كنتم أم آشوريين وكلدان، موارنة أم روم وأرمن، لا تنسوا ولا تتناسوا، نحن أبناء هذه الأرض وشعبها الأصيل، نحن شهود لهذا التاريخ العريق المكتوب بدم وعرق وعظام أجدادنا وجدّاتنا،فالإضطهاد مهما طال، سينتهي، والظلم مهما جار سينكفئ.

أمّا نحنُ، فمنذ مئة عام ونيّف، إختارت والدة جدّي لبنان من دون باقي دول الجوار لتنتمي عائلتها اليه بعد أن طُردت من أرضها، فصار لبنان « لب نون» (قلب الله في لغتنا السريانية الأمّ) أرضنا ووطننا وهويّتنا.

كلّ واحدٍ منّا يختصر بذاته تاريخ شعبنا بثلاثيّة مقدّسة « لبنانيّ، سريانيّ، مسيحيّ»  نعم، ثلاث تختصر تاريخ شعب بأكمله، واليوم، أنا إبن الجيل الرابع من هذا الشعب السرياني المسيحي المضطهَد، وُلدت في لبنان، ورافقني طيلة فترة نمويّ ووعيي ومعرفتي وفي كل ما تعلمت، أنني لبنانيّ سريانيّ مسيحيّ، اعتنقت إسمه، آمنت بوجوده، إنّه وطني الذي لأجله حارب جدي ووالدي وأعمامي، لتثبيت الحضور المسيحي في هذا الشرق المعذب بإضطهاداته لهم.

أتأملُ في التاريخ، في تاريخنا، فيتراءى لي القديس بولس والكنيسة الاولى التي اضطهدت ونكّل بها لأنها أشهرت إيمانها بيسوع المسيح، أقرأُ في ما تعرّض له شعبي، فأجد نفسي في روما الوثنية التي رمت المسيحيين للأسود لمجرد رفضهمإنكار المسيح المخلص، أُغْمِضُ عينيّ لأتذكر أرض أجدادي كما وصفها لي الكبار من قومي، فإذ بي مع القديس أوغسطينوس أحاول أن أمنع الشعب من الخوف والهرب من وجه المحتل المجرم، لأن الإيمان بالمسيح والشهادة له لا تعني أن نضع رؤوسنا في الأرض مسلّمين أرواحنا لجزارينا، لأننا في ذلك كالذين ينحرون أنفسهم ويقتلون أرواحهم ويحكمون عليها بالقصاص الأبدي.

نحنُ لن نرتكب خطيئة أجدادنا، لن نترك الأرض من دون قتال، لن نسلّم تاريخنا وحضورنا من دون نضال، لأن الارض التي لا ترتوي بدماء أبنائها، لا تنبت فيها الحياة ولا تكون لهم موطئاً للحياة. منذ مئة عام ونيّف، مات شعبي من دون قتال، أمّا اليوم وبعد مئة عام فقد قرّرنا أن نكون كحبّة الحنطة تُرمىَ أجسادنا في الأرض لتنبت محلها سنابل تعطي الآلاف الألوف من المقاومين والمناضلين لتبقى قضيتنا حيّة ويبقى شعبنا ثابتاً في قِيَمِهِ ومتجذّرًا في قوميته وليتورجيته.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل