بعد الاعتذار… ما مصير الـ860 مليون دولار والمساعدات الدولية؟

الغموض يكتنف المشهد السياسي الذي كان من الممكن أن يولد حكومة تأخذ البلاد إلى التعافي بدء من مفاوضات مع صندوق النقد الدولي، وفتح قنوات تفاوض مع الدائنين من أجل برمجة ديون لبنان، ما يعطي لبنان سمعة دولية جيدة ويعيد الثقة به.

أما اليوم فالأمل في إعادة الدورة الاقتصادية إلى طبيعتها تَبخّر مع فشل تشكيل حكومة تقوم بالإصلاحات التي تطلبها الدول وتعيد تنظيم الأمور في الداخل ووقف استنزاف الاحتياطي المركزي وفَرملة الفوضى الحاصلة حالياً. هذا الواقع يدفعنا إلى توقع اقتصاد يشبه النموذج الشرقي مثل فنزويلا وإيران.

في ضوء كل ذلك، ما مصير قرض الـ860 مليون دولار والمساعدات الدولية في المرحلة المقبلة؟

الخبيرة الاقتصادية فيوليت غزال البلعة تلفت في حديث لموقع “القوات اللبنانية” إلى أن “موضوع الـ860 مليون دولار منفصل عن مساعدات المجتمع الدولي، فالمبلغ سيعمد صندوق النقد الدولي إلى تخصيصه للبنان ضمن برنامج متكامل بوحدات حقوق السحب الخاصة تبلغ قيمته 650 مليار دولار تُوزَّع على 190 دولة عضو في المؤسسة الدولية، وبالتالي لا علاقة له بأي برنامج إصلاحي أو غيره”.

وعن الجهة التي ستُدير عملية صرف الـ860 مليون دولار، توضح البلعة أن “رئيس الحكومة السابق سعد الحريري ليس مسؤولاً عن إدارة هذا المبلغ كونه كان رئيساً مكلفاً، وبالتالي مع اعتذاره لن يؤثر في صرف هذا المبلغ بشيء. من هنا ستذهب المَهَمة حكماً إلى الحكومة المستقيلة كي تتصرّف بها”.

وعن مسار صرفها وفي أي اتجاه، تقول “لم يصدر بيان رسمي في هذا الموضوع، لكن كلاماً تم تداوله عن أن المبلغ سيُصرَف لتغطية البطاقة التمويلية، في محاولة لإيجاد حل لجزء من المشكلة التي نعاني منها، وبالتالي إنها حلقة من سلسلة ولا تحل المشكلة. فالانهيار الحاصل لا تتم معالجته بـ860 مليون دولار الذي هو جزء محدد ولوقت معيّن، خصوصاً أننا دخلنا في مرحلة استشارات نيابية جديدة لتسمية رئيس مكلَّف لتشكيل الحكومة في ظل استمرار العراقيل ذاتها، إذ إن أي رئيس مكلّف سيقع في المشكلة ذاتها كون تلك العراقيل لم تُذَلّل لا سيما في ما خصّ المطالبة بالثلث الضامن، أي الدوامة نفسها”.

وتتخوّف من “عدم حسن استغلال مبلغ الـ860 مليون دولار بالشكل المناسب وألا يذهب إلى مكانه الصحيح شأنه شأن سياسة الدعم التي كان هدفها شيئاً أما في التطبيق فذهبت إلى المنتفعين والمهرِّبين بسبب قِصِر نظر حكومة تصريف الأعمال”، وتلفت في السياق إلى أن المجتمع الدولي “تَنبّه إلى الأمر وقرّر تحييد الدولة عن المساعدات لتقتصر على الشعب اللبناني”.

وعن احتمال صرف المبلغ لتغطية مصاريف الانتخابات النيابية، تعتبر البلعة “بما أننا اقتربنا من موعد الانتخابات ستحاول بعض الجهات تناتش هذا المبلغ لاستنهاض قواعدها الشعبية التي فقدتها بفعل الثورة. لكن هذا خطأ جسيم كون المجتمع الدولي يراقب لبنان، فالعين عليه اليوم أكثر من قبل وأي فَول سيرتكبونه سيرتدّ عليهم سلباً، طالما هم في سدّة الحكم فهم يتحمّلون مسؤولية كل أداء لا يوصل إلى إنقاذ لبنان”.

وتضيف الخبيرة ذاتها أن “المجتمع الدولي يحاول مساعدتنا في الوقت الراهن لكنه يلقي كثيراً من اللوم على الطبقة السياسية خصوصاً إثر اعتذار الحريري، وهذا أمر لافت، إذ تحدثت الولايات المتحدة وفرنسا والاتحاد الأوروبي بشكل فاضح عن تقصير الطبقة السياسية في إصلاح ما أفسدته بنفسها، وهذه تهمة تلاحق الطاقم السياسي وهذا معيب له، ويجب أن يدفعه إلى الخجل عندما تتوجّه إليهم ملاحظة بهذا الشكل”.

وتلفت إلى “محاولات برزت نهاية الأسبوع لعقد مؤتمرات لدعم المجتمع اللبناني وشعبه وليس الدولة اللبنانية، وهذه مفارقة يجب التنبّه إليها لأن المجتمع الدولي في حالة طلاق مع هذه الطبقة السياسية، وهذا ما تُرجم في المواقف التي أُطلقت أمس إثر اعتذار الحريري، من واشنطن إلى باريس وصولاً إلى الاتحاد الأوروبي، حتى أن الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط عاتب الطبقة السياسية وعبَّرَ عن ألمه اتجاه ما يعاني منه لبنان”.

وتشير في السياق، إلى “سعي فرنسا إلى عقد مؤتمر لدعم لبنان مطلع آب المقبل، وكذلك مصر قد تقوم بمبادرة من هذا النوع، لكن المبادرات تساعد المجتمع اللبناني لتمرير مرحلة لكننا لم ندخل حتى الآن في حل استراتيجي لأمد بعيد”، معتبرة أن “محاولات المجتمع الدولي تؤخّر ربما ساعة الارتطام الكبير، إنما لا تفرملها أو تُصلح شيئاً يحسّن الوضع. لا شيء واقعياً حتى الآن يدفعنا إلى الاطمئنان إلى أن المجتمع الدولي سيوقف فعلاً عملية الانهيار أو هذا الانحدار السريع، فهذا أمر مقلق في وقت الوضع الاجتماعي والاقتصادي سيتفاقم أكثر فأكثر، وكذلك سعر صرف الدولار سيرتفع من دون سقف، كما أن المشهد السياسي لا يزال عابقاً بالضبابية ولا شيء مطمئن”.

وتؤكد أنه “من الطبيعي أن نشهد ارتفاعاً يومياً في سعر الدولار ويجب ألا نتفاجأ بذلك، وبالطبع سندخل في مشاكل من نوع الانقطاع المستمر في التيار الكهربائي بعد حل المشكلة لمدة أسبوعين فقط، وماذا بعد الـ200 مليون دولار سلفة للكهرباء؟ سنقع في المشكلة ذاتها، وكذلك بالنسبة إلى المحروقات، فيما الطبقة السياسية تتفرّج على المشكلة، ولا أحد سوى مصرف لبنان يحاول اتخاذ الإجراءات والتعاميم لحل المشكلة موقتاً كونه “أمين الصندوق”، لكن هذه الإجراءات تبقى غير كافية لمداواة الجِرح الكبير الذي يحتّم وضع رؤية اقتصادية شاملة ترسم الأهداف والإصلاحات وتبدأ العمل على أساسها. أما المعالجات الآنية، فهي أشبه بالمسكّنات عبر الأدوات المتاحة للبنك المركزي”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل