ضحايا المرفأ ومعادلة الحكم

لمّا كان المجرمُ يملكُ التصرّفَ بحياتنا، فلا ترحيلٌ، إذاً، للنّضالِ الى زمنٍ آخر. ولمّا كنّا نفتقدُ الى حكّامٍ يحقّقون، بجرأتهم وبحسِّهم الوطنيّ، منجزاتٍ غيرِ اعتياديّة، فلا جوازَ، بعدُ، للغيبوبة، فالمطلوبُ، اليوم، التصدّي للجبناءِ المُتَلَطّين خلفَ آلةِ الموت، ولَو بصدورٍ عارية. ولمّا عَمِلَ الحكمُ، وبشراكةٍ مع وحوشِ الإجرامِ والقتل، على تسطيحِ رِقابِنا تحت شِفارِ المَقاصِل، دقَّ الإنذارُ لترميمِ آليّاتِ العطشِ الى الكرامة، وخَلعِ الإنسانِ المُكَبَّلِ بالخوف، لتتفوَّقَ المواجهةُ على أقبيةِ الأوصياءِ الذين زجّوا بالوطنِ في حتميّةِ العَدَم.

بالرّغمِ من استمرارِ بطانةِ السّوءِ في تَجاهُلٍ قياسيّ لِما أنتجتهُ أيديهم من جريمةٍ تركت بصماتٍ حمراءَ في القلوب، واعتدَت على حياةِ مايَتَي ضحيةٍ عبروا الى خلودٍ في وجدانِ الوطن، فالحقُّ لم ينفقْ، بعد. إنّ المنظومةَ المَقيتةَ التي تكشَّفَت أهدافُها المدمِّرةُ للكيانِ ولمشروعِ الدولة، والتي رسَت على الكذبِ، والتّزويرِ، والفسادِ، وشَلَلِ الحسِّ بالمسؤوليّة، واستغلالِ المواقعِ من أجلِ تنميةِ المصلحةِ الشخصيّةِ على حسابِ المصلحةِ العموميّة، لم يلتبِسْ علينا أمرُها، وباتَ واقعُنا بحاجةٍ الى خضَّةٍ مفصليّةٍ للاقتصاص من هذه الطُّغمةِ الكابوسيّةِ التي قتلَت ضحايا انفجارِ المرفأ مرّتَين.

هذه السلطةُ التي هي نماذجُ عن كائناتٍ ذواتِ نفوسٍ عَفِنة، تستدعي وِقفةً تلسعُ أكثرَ من سِياطِ التّقريع. فجوّانيّتُها الأمّارةُ بالسّوء، الخائبةُ في تجميلِ وجهِها المُشبَعِ بالقُبح، لم تحملْ همَّ الوطنِ بِنقاء، وغفلَت عن إدراكِ هَولِ ما خلَّفَته كارثةُ المرفأ من قتلٍ، ودمارٍ، وتشريدٍ، وتشويهٍ، فكانت كابوساً يُضافُ الى كوابيسِ النّاس، وشُوَّهةً تُلصَقُ على مُحيّا الوطن، وعصياناً سقيماً لِقِيَمِ النُّبلِ ومزايا الوطنيّة. وكأنّ هذه السلطةَ نفضَت يدَيها من الانتماء الى المواقفِ التي تستوجبُ رجولةً، واندفاعاً مسؤولاً، وحِراكاً الى قرارٍ يَخرجُ من حفريّاتِ المصالحِ، ومن أُطُرِ المنفعةِ الضيّقة، الى الوطنيّةِ الرَّحبة.

هذه السلطةُ العقيمةُ في سلوكيّاتِها، وأدائِها الأَعوجِ المُتَعاظِم، والمُنحازَةُ الى العَطَبِ في إدارةِ البلاد، فقدَت صلاحيّةَ وجودِها، خصوصاً في سَدِّ بَصَرِها وسَمَعِها عَمَّن انتهَوا في التُّرابِ، أو في شِبهِ قبر. إنّ أصحابَ الألقابِ، فيها، الذين سيطرَت على نُخاعاتِهم نوباتُ الخرافةِ، هم مُصابونَ بهَذَيانيّةٍ سقيمة، وبزمجرةٍ عشوائيّةٍ تنمُّ عن اضطرابٍ في التّوازنِ الفكريّ، وخَلَلٍ في حسِّ الوَعي الوطنيّ والعقليّ، ما يؤكِّدُ على أنّ بقاءَهم في سُدّاتِهم هو مُخَرِّبٌ وخطير. فهؤلاءِ يسحقونَ قيامَ الدولة، ويسهِّلونَ سيطرةَ تركيباتٍ هجينةٍ لا حاجةَ للكثيرِ من التَبَصُّرِ لإِدراكِ أَذاها. من هنا، ينبغي سَحقُ التّفويضِ الذي أُعطِيَ لهم، زوراً، كي يختزلوا النّاسَ، ويُجَيِّروا الوطنَ الى الشَرِّ بإستراتيجيّةِ التّجويعِ، والتَّفقيرِ، والتَّفليسِ، والتّهجير، واستباحةِ حقوقِ الشّعبِ لتَطويعِهِ بالخوف.

إنّ الذين افترَسَهم انفجارُ المرفأ، ضحايا استباحةِ السلطةِ لحقِّهم في نُصرةِ قضيّتِهم، يدعونَنا الى دَورٍ طليعيٍّ ناشطٍ يتخطّى التَّنظيرَ، ويدفعُ الى معركةٍ متواصلةٍ لاستئصالِ الدجّالينَ من مُمتَهِني الشِّعاراتِ الفارغة، الرّافضينَ استخدامَ أَسمدةِ الوطنيّةِ للانتقال بوجودِهم من مجرَّدِ مساحاتٍ جرداءَ مُقفِرةٍ، الى أرضٍ خصبةٍ تُنتِجُ حسّاً وطنيّاً، ووَعياً سياديّاً، واكتِراثاً بالكرامة. فهؤلاءِ ليسوا سوى دُمًى مُهَشَّمةٍ، وجُثَثٍ متجوِّلةٍ، سلوكُهم تجارةٌ خاسرةٌ في سوقِ التَّعاطي الوطنيّ، ليس في مردودِها غيرُ العَبَثِ واللّاجَدوى.

إنّ حقَّ ضحايا المرفأ غيرُ قابلٍ للتصرُّف، ولا يمكنُ القَبولُ بتَنازلٍ عن جزءٍ منه، وتحتَ أيِّ ذريعة. إنّهُ صوتٌ لن تُصَمَّ، في جَهارتِهِ، الآذان، مهما عَظُمَ ظِلُّ السكّينِ المُلامِسِ للرِّقاب. فلا بُدَّ من تَمرُّدٍ صارخٍ يُنصِفُ الضّحايا، والوطن، من إِسفافٍ يُثيرُ الاشمئزاز، ومن محاولاتٍ للتسَتُّرِ على الجُناةِ، ومن عارٍ يلطِّخُ أصحابَ الأصواتِ المُستَنقعيّةِ من أهلِ الحكم، ومن مَنطوقِ الفَتاوى المُهَلوِسَةِ الفاضِحةِ لتَخَلُّفِ مُطلِقيها. والحقُّ، أنّ المُترَبِّعين في كراسي السلطةِ، الذين ينامون في كهوفِ التَعَفُّنِ العَقيم، لا يزالون، في انحطاطِهم، يظنّون أنّهم لا زالوا قادِرين على استعمارِ حقوقِ الناس، وهم لا يدرون أنّهم، بذلك، يغسلونَ النّارَ بالزَّيت.

إنّ العقليّةَ الرَّجعيّةَ في ذِهنِ مَنْ في السلطة، في تعاطيهم مع القضايا الوطنيّةِ، وفي مُقَدَّمِها كارثةُ المرفأ، لَهي عِرفٌ قبيحٌ، وظلمٌ مَقيت، وقَتلٌ موصوفٌ يجبُ النَّيلُ من مُقترِفِهِ، وذلك بأن يُختَمَ على وجودِهِ بالشَّمعِ الأحمر… أَوليسَ واجِباً أن يُكَرَّمَ هذا الشَّمعُ الشّاهِدُ، وحدَه، على الجريمةِ الكبرى؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل