لماذا أؤمن بيسوع المسيح؟

“المسيرة” – شارل مالك من كتاب “به كان كل شيء” شهادة مؤمنة – العدد 1718

عُمِّدت في سن الشهرين ولذلك لا أذكر شيئاً من هذا الحادث، وليس عالقًا في خبرتي الشخصية المباشرة أيُّ شيء عنه. غير أن والديّ وجدتي والأسقف والكاهن المعمّدين وغيرهم من أهلي وأقربائي نقلوا إليّ تفاصيله المادية ورسّخوها في ذهني، هذا فضلاً عن سجلّ الكنيسة الحقيرة في قريتنا المدوّن فيها هذا الحادث. وأنا لم يؤخذ رأيي في إن كنتُ أقبلُ أن أُعمَّد أم لا، وعندما فهمت بعدئذ معنى المعمودية، شكرت الله لأن أهلي نابوا عنّي في هذا الرأي وتحمّلوا مسؤوليته عنّي. تضامنوا معي في قرارهم قبل أن يكون لي قرار وقبل أن يُتاح لي إمكان تضامن، وبعد أن فهمت خطورة فعلهم قرّرت أنا بدوري أنّي كنت ضمناً وبالفعل متضامناً معهم حتى في ذلك الحين، وعلى أيّ حال قرّرت المرة تلو المرة، بوعي ومسؤولية تامّين، وأقرّر الآن شاكرًا، تضامني الكامل معهم في بادرتهم تلك المحمودة، وقبولي نيّتَهم ومقصدَهم وجميع النتائج الروحية المترتبة عليهما.

بالمعمودية دخلتُ كنيسة المسيح. بالمعمودية صرتُ عضوًا في جسده. بالمعمودية غُسِلَتْ خطيئتي الجدية. بالمعمودية مات إنساني العتيق كما مات المسيح ونهضتُ إنساناً جديدًا مُجدَّدًا بالنيّة والروح والقداسة كما قام المسيح من الأموات. هذه بعضُ أسرار المعمودية البدائية، ولها أسرارٌ عويصةٌ أخرى أفاض في شرحها القدّيسون. وإذ أتأملها جميعًا بخشوع أذهَلُ من عظمتها وقيمتها وأهميتها الفائقة لحياتي ولخلاص نفسي. ولأنّي عُمِّدت على إسم الآب والإبن والروح القدس، ولأنّي أعرف الآن نوع النعم والبركات التي منحني إياها المسيح سرًا بهذا الفعل، ولأنّي أعرف كذلك أنني إذ دخلتُ بنعمة هذا الفعل جسدَ المسيح، فلا يمكنني مهما فعلتُ ومهما حصل لي أن أخرج من عضويتي فيه، بل جُلُّ ما باستطاعتي عمله أن أتوب بالفعل عن خطاياي وأرْجِعَ الى المسيح الذي عُمِّدت باسمه، وهو، بسبب معموديتي التي ألّفتني عضوًا في جسده الذي هو أمي الكنيسة، يغفرُ لي خطاياي وبمحوها ثانية. لهذه الأسباب كلِّها المركَّزة على سر المعمودية، أؤمن بيسوع المسيح.

إن الله خلقنا من دون أن يستشيرنا. «هكذا أحبّ الله العالم حتى بذل إبنه الوحيد كي لا يهلك كلّ مَنْ يؤمن به بل تكون له حياة أبدية». فعل الله هذا من دون أن يستشيرنا. والمسيحُ ذاته لم يَستشرنا لمّا مات من أجلنا. صار إنساناً ونحن البشر خطأة. مات، كما يقول بولس، ونحن في الخطية. فتضامن معنا. لم يتضامن معنا بخطيتنا، بل بوجودية إنسانيتنا وإمكاناتها كي يعتقنا من الخطية. ولذلك ليس ضروريًا على الإطلاق أن يستشير بعضُنا بعضًا في عمل الخير. الخير يطفحُ ويفيضُ من تلقاء ذاته، واثقاً من أن النفوس القاهرة المنكسرة في حينها تقبل به. وإذاً البداية، البداهة، المبادرة، تأتي دائمًا وأبدًا من الكائن الأكمل، وفي آخر الأمر من الكائن الكامل الذي هو الله. وهكذا عندما ناب والدايَّ عنّي في قرار تعميدي إنما كانا مقلِّدَين، على طريق المخلوق، لفعل الله الخالق في سيادته وحريته وكرَمه ومحبته. وكما أنّي أقبل فرحًا كرم الخالق، هكذا أقبل شاكرًا كرم المخلوق.

أؤمن بيسوع المسيح لأنّي نشأتُ في عائلة تخاف الله. الحياة المسيحية الطبيعية الصحيحة تبدأ في  أحضان الأم والجدة، بالإقتداء بالأب والعمّ والجد. هؤلاء ينقلون الى بنيهم وأحفادهم بدموع المحبة ما ورثوه هم من آبائهم وأجدادهم وما أضافوا إليه هم من خبرتهم الشخصية المباشرة. الكنيسة تراكم كيانيّ تقليديّ إيمانيّ حيّ يعود بلا انقطاع جيلاً وراء جيل الى الرب ذاته، الى فعل الإيمان المشترك بين المسيح والرسل، لأنه هو الذي اختارهم أولاً ووثق بهم، وهم الذين آمنوا به وثبتوا في هذا الإيمان حتى الموت. إن بعضنا لا يعرفُ دينه الكيانيّ الروحيّ لجده وجدته، لأمه وأبيه، ولا يقدّره حق قدره. بالسهر المضني والآلام المبرِّحة، بالتجارب والمِحن التي لا يعرفها غيرُ الله، بالإضطهادات والتضحيات المادية والمعنوية، بالثبات العنيد والرجاء الصبور، بالشهادة، بالصلاة، بالسلوك، بنكران الذات، بالدموع، بالإتكال على الله، بهذه حفِظ آباؤنا الإيمان ونقلوه إلينا درّة «ووديعة» لا تُثمَّنان. فهل يعود الفضل في حفظه إليهم كبشر، الى طبيعتهم وإنسانيتهم وإرادتهم؟ بالمعنى الحاسم، كلا. يعود الفضل في كل ذلك الى المسيح ذاته، الى فيضِ نعمه، الى حضوره بينهم، الى تشجيعهم وتعزيتهم، الى تقويتهم حين يضعفون، الى تثبيت إيمانهم به حين يشكِّكون.

إن المسيح شخصٌ، وبالتالي لا يُفهَم المسيحي ولا يُعلِنُ عن ذاته إلّا في الأشخاص وفي الحياة الشخصية، من خلال الأشخاص وما يعكسون من محبة وإيمان ورجاء، ومن ثبات وخدمة وصبر، من تعلُّق باسم يسوع المسيح ورجوع دائم إليه شخصيًا، من إلتصاق أمين بكنيسته المقدّسة التي هي جسده الحيّ وهو رأسها المُحيي المدبِّر، من خلال هذه الأشياء الشخصية نستشفُّ المسيح ونؤمن به. بكل تأكيد نشكر الله على كلّ قداسة وكلّ تقوى تدلان على المسيح منبعهما وأصلهما، وإذ نخترق الحُجُبَ نرى في أهلنا قداسة وتقوى رائعتين على الرغم من جميع «الضعفات» الإنسانية. لكن المسيح لا يُعلنُ عن نفسه بالقداسة والتقوى فحسب، بل يعلن عنها بالثبات في وجه التجارب، بالرجوع إليه بانكسار بعد المحن، بالدموع التي تُّزرَفُ كفّارة عن عدم تقوانا وعدم قداستنا، بالشهادة له على الرغم من عدم استحقاقنا إياه، بمحبتنا إياه على الرغم من خطايانا وعلى الرغم من الشيطان، بمخافته وبالتطلُّع الواثق إليه، بتركِ كلّ شيء، بسلام وهدوء وثقة برحمته يوم يجيءُ ويوم تنكشفُ الصدور. المهم في الحياة المسيح، لا نحن، فبقدر ما نحن نحذف أنفسنا تمامًا، مهما كنّا قدّيسين، ونشيرُ إليه فقط، وبالتالي، بقدر ما يبرز عندئذ هو وحده وكأنّا غيرُ موجودين، وكأنّا لم نوجد، بهذا القدر نشهدُ له الشهدة التي قد نستحقّ معها أن يقولَ لنا في رحمته: «تعالوا يا مباركي أبي رِثوا المُلك المُعدَّ لكم منذ إنشاء العالم».

نعم أؤمن بالمسيح لأنّي ولدتُ وربيتُ في بيت يهابُ الله بهذا المعنى المسيحي لمهابة الله. وإذ أقول: «يهاب الله» أعني «يهاب المسيح»، لأنّ الله والمسيح عند المسيحي واحد. عندما يرجع كلّ شيء الى الله في العائلة المسيحية، عندما يُصلِّي الى الله، عندما يُلفظ إسم الله، فلا تحتاجُ إلّا الى يوم واحد من التدقيق كي تكتشف أنّ المقصود من هذا كلّه هو يسوع المسيح، الله المتجسّد. أؤمن بيسوع المسيح، الله المتجسّد. أؤمن بيسوع المسيح لأنّ المخافة الأخيرة في البيت الذي نشأتُ فيه كانت منه، والمهابة الحقيقية كانت أمامه، وكلّ شيء كان يُسندُ بعد العاصفة وأثناءَها وحتّى قبلها إليه..

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل